الجزء الثاني
نظام الكون، وبما أن النظام الكوني ثابت مترابط الأجزاء فإن هذا يدل علي وحدة القدرة التي أوجدت العالم وهي التي تحفظه وتدبره.
على أن علماء العقائد اجتهدوا في وضع دليل الوحدانية على صورة نظرية نجدها في كتبهم، كما أن فلاسفة الإسلام منذ أولهم، وهو الكندي ، أثبتوا الوحدانية على طريقتهم الفلسفية.
ولنلاحظ هنا أن العلم القديم كان يقول إن هذا العالم هوكل شيء، وإنه في داخل كرة متقفله تدور حول نفسها ومركزها الأرض، وكانت مظاهر وحدة العالم ونظامه واضحة، لكن ذلك التصور انهار من أساسه في العصور الحديثة، وظهرت نظريات في نشأة هذا العالم وتشكله، لكن العلم الذي نعرفه اليوم قد أثبت وحدة إلية التي يتألف منها هذا الكون، وأثبت وحدة قوانينه الكبرى ، وهذا يدل على وحدة القدرة التي أبدعته، وسنعرض لشيء من ذلك عند الكلام عن العالم في القرآن فيما يلي.
على أن في القرآن إلي جانب مفهوم التوحيد بمعنى "وحدانية الخالق "، و (وحدة نظام الخلق " أن الله وحده هو الخالق بالمعنى الحق وأن فعل الخلق الإبداعي هو الدليل على الألوهية.
" أفمن يخلق كمن لايخلق أفلا تذكرون "، (النحل/17 ) .
" أيشركون مالا يخلق شيئا وهم يخلقون "، (الأعراف/191).
" هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ضلال مبين "،( القمان/11).
وهناك التوحيد بمعني (وحدة التدبير الإلهي) التي أشرنا- إليها، والتوحيد بمعنى أن تكون حياة الإنسان كلها علي صلة بالله، فتكون أفعاله "في سبيل الله " و"ابتغاء مرضاة الله"، (النساء/ 114). وأن يكون أعظم المحبة لله ثم محبة غيره "في الله " أو لأنه ((من الله))، وأيضاً بمعنى رؤية الأشياء كلها في ضوء المعرفة بالله وشهود قدرته ورحمته، وحكمته في كل شئ، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
وعلي أساس آيات القرآن تكلم العلماء في مراتب التوحيد، من التوحيد باللسان ، إلي التوحيد بالعقل والقلب ، إلي تصور أن الأشياء كلها صادرة عن الله، وأنه لاموجود إلا الله ومظاهر قدرته وعلمه وحكمته، بحيث لا يشهد الإنسان إلا أمراً واحداً وهذا يسمى "الفناء في التوحيد" (الغزالي في "الإحياء، كتاب، التوحيد").
المخلوقات كلها تعبد الله
الله تعالي "خلق كل شيء".، " رب العالمين "، " رب كل شيء "، (الإنعام / 164). وهو الذي يحفظة في الوجود ويرعاه ويهيىء له مكانه بين الأشياء ويعده لما أراده منه في خطة الخلق الشاملة وإذا كانت المخلوقات كلها تشهـد لله بالوجود والربوبية شهادة يتوصل إليها العقل الذي ينظر في المخلوقات ونظامها في الأرض والسماء فإن القرآن يذكر في آيات كثيرة إسلام الكائنات كلها وتسبيحها وسجودها لله، وبعض تلك الآيات تشير إلي كائنات عاقلة، بل أنواع من "الدواب " بالمعنى المفهوم على الأرض وموجودة في السماء، وها هي الآيات في ذلك كله: كله أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون"، (آل عمران/83).
" تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا " ( الإسراء /44 ).
"ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء " ( الحج /18 ) .
" ولله يسجد مافي السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لايستكبرون " ( النحل /49)
" وله من فى السماوات والأرض كلُُ له قنتون " ( الروم /26 ) .
الآيات واضحة، مهما تنوعت آراء المفسرين، لكن يبقى السؤال: هل الإسلام أو السجود والتسبيح لا يكون دائما إلا بالمعنى وعلى الصورة الإنسانية، بكلام أو حركة أو وضع مما نعرفه في العبادات؟ لا يصح أن ننظر في كل شيء بالقياس إلينا، لأن كل ماعرفناه عن أنواع المخلوقات ليس إلا مظهراً بقدر وسائلنا في الإدراك، أما الأعماق فهي بعيدة الغور، ويكفى أن نتصور أن الذرة إلمادية التي لم يدركها الإنسان ولم يعرفها إلا بالاستدلال تمثل عالما صغيراً يموج بالقوة، وقد تكون فيه أفلاك كثيرة تدور فيها جسيمات، تسمى إلكترونات، فلا يصح أن نعتقد أن كل أحوال المخلوقات وأفعالها لا يمكن أن تكون إلامن نوع ما عندنا .
ولذلك فإن بعض المفسرين فهموا من سلوك الكائنات بالتسبيح أو السجود أن ذلك ليس مجرد الدلالة التي يدركها العقل على وجود الله، وإنما ذلك كله بالمعني الحقيقي علي نحو يناسب كل كائن علي حدة، ويستدلون علي ذلك بقولة: "ولكن لاتفقهون تسبيحهم " ، فإذا كانت دلالة الأشياء علي وجود الله أمراً يدركه العقل فإن وراء ذلك أمراً آخر لا تدركه وسائلنا.
على أن السؤال عن معني سجود الكائنات الجمادية مثل ما في قولة تعالي "والنجم والشجر يسجدان "( الرحمن /6)، لا يخطر فقط للمفكر في عصرنا، لأنه خطر للأمير أحمد بن الخليفة العباسي المعتصم (ت 227 هـ / 842 م) فوجهة الأساتذه أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت حوالي 252 هـ / 866 م)، فأجاب عنة برسالة كتبها، وفيها شرح السجود في ضوء النظرة العلمية للعالم، وذلك أنه بين أن من معاني السجود الطاعة، فقال إن الأجرام السماوية، وكذلك كل المخلوقات، تؤدي وظيفتها في نظام الكون، بحساب إرادة بارئها، وهذه هي الطاعة أو السجود بالمعنى المجازي (رسالة في سجود الجرم الأقصى وطاعته لله عز وجل).
وإذا كنا نجد في القرآن قوله تعالى:" ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صفت كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون " ( النور /41 ) .
فإن الفارابي ( ت 339 هـ /950 م ) يقول فى كتابه " فصوص الحكم " " صلت السماء بدورانها والأرض برجحانها والماء بسيلانه،والمطر بهطلانه وقد تصلي له ولاتشعر ، ولذكر الله أكبر .
ولا نريد أن نذهب بالقاريء بعيداً، ولكن يكفي أن نعلم أن هذا الكون مملوء بالأسرار، وهي ليست وليدة الوهم، بل حقائق عميقة لا ندركها، وهي تدخل في مجال ((الغيب)) الذي تحدث عنه القرآن بمعناه العام.
على أن من الناس من يقول إنه يري الجن والملائكة ويسمع تسبيح الكائنات من نبات وحيوان، وهذا أمر خاص بأفراد، ولا يقتنع به الإنسان إلا بالتجربة.
الإيمان بالغيب
إدراكات الإنسان الحسية والعقلية هي في العادة محدودة ونسبية، على قدر عدد وسائلنا ومداها، فالحواس لا تنفذ في أعماق المحسوسات، والعقل في عمله يتعرض لتشويش الخيال عند الكثيرين من الناس، حتى في تصورات الفكر، ومقولاته فضلا عن أن هذه المقولات قد برزت في العقل من وجوده في هذالعالم الذي هو نوع من أنواع الموجودات التي لا عدد لها.
ولم ينشأ العلم ولا الفلسفة إلا بعد جهد جهيد بذله الفكر لكي ينفذ إلى ما وراء ما يحسه الإنسان أو يتخيله ويصل إلى ذلك المجهول المتواري ، سواء أكان في، صميم الواقع أم فيما وراءه، وبعبارة أخري يحاول الفكر أن يصل إلى اللامرئي أو اللامدرك ولو بالفكر، وهذا مجال " الغيب" الذي يتحدث عنه القرآن وعن الإيمان به. وإذا كان القرآن قد جاء بالحق فإنه ينبهنا إلى الحق كله ما ندركه منه، وما يتجاو حدود إدراكنا.
والحكمة في حديث القرآن عن " الغيب " أن الله تعالى يريد أن يوسع نطاق علم الإنسان ومعارفه في كل المجالات، وخصوصا أنه ينبه إلى حقائق كبري كانت قبل هذا العالم وهذه الحياة، من ذلك بدء خلق السموات والأرض وخلق الإنسان وإعداده لرسالته في الدنيا، والحساب والجزاء في حياة جديدة في عالم جديد بعد الموت، والذي يهمنا هو أنه توجد مخلوقات مشابهة أو مخالفة لنا، ووراء ذلك "غيب" استأثر الله بعلمه، كما قال، ثم " غيب الغيب "، هو الذي " ليس كمثله شيء ".
ونحن لكي نفهم معاني ألفاظ القرآن فإنه يجب علينا، بحسب قاعدة عامة أن نستقريء الألفاظ ونتدبر معانيها بحسب السياق . ولفظ " الغيب " يدل على أن منه ما هو معانيها بحسب السياق ولفظ " الغيب " يدل على أن منة ما هو حاضر يحيط بنا ولا ندركه، مع أنه قد يكون في متناول وسائلنا في الأرض أو بعيداً في السماء لا تنفذ إليه وسائلنا،. " غيب السماوات والأرض " (مثلا البقرة/ 33)، وأنه ما قد تواري في التاريخ من أنباء الرسل وغيرهم (هود/ 49، 100، 120، يوسف/ 102، طه/ 99). لكن المهم هو ماوراء عالم الحس جملة، وأول ذلك أمر الكائنات التي تؤلف عوالم، منها في القرآن: "عالم الجن "، "عالم الملائكة"، بين أصناف كثيرة من الكائنات تدخل تحت مفهوم لفظ " العالمين " الذي نجده كثيراً جداً في القرآن .
عالم الجن:
أما الجن فهم كائنات من طبيعة خاصة، خلقوا " من مارج من نار " (الرحمن/ 15)، "والجان خلقناه من قبل من نار السموم " (الحجر/27)، وكان خلقهم قبل خلق الإنسان، لا تدركهم أبصارنا، ولهم طاقات عظيمة وقدرات علي التشكل في صور حسية، إلى جانب أنهم عقلاء مكلفون كالإنسان بالأوامر والنواهي الإلهية. وقد تحدث القرآن عنهم أحاديث شائقة، وخاطبهم مع البشر، " يامعشر الجن والإنس" (مثلا الأنعام/ 130). ومنهم من كان في خدمة بعض الأنبياء، سليمان عليه السلام (النمل/17، 36، سبأ/2 1، 4 1)، ومنهم المؤمنون ومنهم الكافرون، ومنهم من عرف دعوة الإسلام واستمع إلي القرآن وآمن وتحدث عما سمع وعبر عن إيمانة ومعرفته بما كان قبل الإسلام ، ( الأحقاف/ 29، سورة الجن ).
عالم الملائكة
والإيمان بالملائكة أيضاً أصل اعتقادي ، وهم ذوات " نورانية"، كما يعبر البعض، ويعرفهم العلماء بأنهم "ذوات روحانية عاقلة ومطيعة بطبعها لله تعالى" (الكشاف للتهانوي)، ولهم قدرات كبيرة وحياة شعورية، لكن طبيعتهم لا تدخل فيها نوازع الإرادة الذاتية ولا الشهوات، ولهم قدرة على التشكل في صور محسوسة تبدو للإنسان.
واستقراء آيات القرآن يدل على أنواعهم ودرجاتهم ووظائفهم وأعمالهم في عالمهم " يسبحون اليل والنهار لايفترون " ، ( الأنبياء /20 ) ، ومنهم " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم " ( غافر /7 ) ، ومنهم فى عالمنا من يتولون ، بأمر ربهم تدبير بعض أمور الكون أو يقفون إلى جانب المؤمنين يثبتونهم في مواطن الجهاد في سبيل الله، ( الأنفال/12)، هذا إلى رقابتهم على أعمال الإنسان وأقواله، (الزخرف/ 80، ق/ 16- 18) وتولي أموره بعد الموت، وحضور الحساب والجزاء، إلى ظهورهم بعد تمامه كما صوره القرآن بقوله." وتري الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العلمين " ( الزمر /75 ) .
والمسلم يؤمن بوجود هذه المخلوقات على أساس ماجاء في التعليم الإلهي، لكن يصعب على الإنسان بسبب ملابسته لعالم المادة أن يتصور كائنات، غير مادية تتشكل في صور حسية، لكن ((عالم الشهادة)) الذي نعيش فيه يشير إلي إمكان ذلك، ويفتح المجال أمام تصور ما وراء المحسوسات، والانسان يلاحظ أن " عالم الشهادة" الذي نعيش فيه مملوء بأنواع التشكلات ،فالجمادات مثلا تتشكل وتتنوع طبائعها بتأثير عوامل خارجة عنها، ومعروف في تاريخ عناصر الطبيعة، وكذلك الكائنات الحية من نبات وحيوان تتشكل بقوة كامنة بداخلها، تبني لنفسها كياناً من مواد العالم المحيط بها وتتصور بصور لاحصر لها فى التنوع والجمال .
أما الجان أو الملك فهو يتشكل بشيء موجود في طبيعتة، ولا عجب في ذلك لأنة إكمال لدرجات التشكل التي للمخلوقات، وبها تصل السلسلة إلى ذرويها بحسب عالمنا ومانعرف فيه وفي عالم بعده.
وعلي كل حال فإن القرآن يحدثنا عن جنود سليمان عليه السلام من الجن والطير الذين كانوا في خدمته، وقد علمه الله " منطق الطير " أي لغة الطير، بل هو استمع إلي لغة النمل، ولا معنى لأن ينكر الإنسان شيئاً من ذلك، لأن الحيوانات، بحسب القرآن، ليست كما نتصورها، بل هي "أمم " لها تفكيرها ولها وعي تدل عليه دلائل كثيرة، ووسائل للتواصل والتخاطب فيما بينها وكذلك لها لغتها، ولا مانع من أن ينطقها الله بلغة الإنسان، وهذا من الأمور التي تتسع لها القدرة الإلهية.
ويبقى السؤال: هل في طاقة الحيوان أن يعرف ما يفعله البشر فينقل مثلا إلي سليمان ما رآه من الاطلاع، علي أحوال ملكة سبأ، كما فعل الهدهد ،(النمل/18-24).
ومهما كان الأمر فإن بعض أصحاب المواهب يقولون إنهم يرون الجن أو يتعاملون معهم، ومن كبار الصوفية والعباد من يرون الملائكة ويتحدثون إليهم، ومنهم من يسمع ويفهم تسبيح الكائنات من نبات وحيوان. (والله أعلم) .
الإيمان ، باليوم الآخر. يمكن القول أن مدة حياة هذا الكون الذي نعيش فيه يوم من الأيام التي عند الله ولايعرف مقاديرها إلا هو، والقرآن يحدثنا عما قبل هذا العالم وما بعده، لكي يكمل نظام المعرفة بقدر ما تستطيع أن تتصورها عقولنا، لكن الكلام في ذلك يجب أن يفهم لا بحسب معاني الألفاظ بالنسبة لنا في عالمنا، بل بحسب ما يناسب عالما تختلف طبيعته في عالمنا.
والقرآن يؤكد أن الله قد خلق كل شيء "بالحق "، ولكل شيء "أجل مسمي"، وهو مدة وجوده التي لا يتعداها. وبعض الفلاسفة تصوروا أن هذا الكون أزلى أبدي ، أو تخيلوا قبله مادة أزلية أبدية، أما القرآن فهو يؤكد أن كل ما عد الله فهوخلقه وإبداعه.
وإذا كان الله يفعل بقدرته ما يشاء فإن الحكمة هي قاعدة للفعل الإلهي، فلا خلل ولا عبث:" وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لايعلمون " (الدخان /38 ـ 39 )، ومنطق الحكمة الإلهية من وجود الإنسان في الأرض بما له من عقل وقدرة وإرادة واختيار، وبما جاءه من الهدايات الإلهية، يقتضي أن يكون بعد أيام السموات والأرض يوم يتبدل فيه النظام كله" يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبروزا لله الواحد القهار
( (إبراهيم/ 48).
فى ذلك اليوم تتم الحكمة من وجود الإنسان وتكليفه، بأن يحاسبه الله ويجازيه بحسب ماعمل من خير وشر.
ويسمى هذا اليوم في القرآن بأسماء عديدة، بحسب الاعتبار: "يوم القيامة "، " يوم البعث"، "يوم الحشر"، "يوم الدين "، "يوم الحساب" ، " يوم الحسرة"، أي حسرة الكافرين والمفسدين على ما فرطوا، "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه "، "يوم الخلود".
ويتميز كلام القرآن عن ذلك اليوم، الذي هو"قيام الساعة" بمميزات كثيرة وتفاصيل لا نجدها في كتب الأديان السابقة، إلا شيئاً يسيراً في بعض الأناجيل، "والساعة" ستأتي ((بغتة)، ((كلمح البصر)) أو أقرب من ذلك (النحل/ 77)، وستصحب ذلك اليوم أحداث كونية هائلة ومروعة وصفها القرآن. (( ينشق النظام السماوي، تتكور الشمس، تنكدر النجوم وتنتثر الكواكب، تحمر السماء، وتأتي بدخان مبين، تتزلزل الأرض، وتحمل بما عليها من جبال وتدك "دكة واحدة" فتصبح الجبال هباء منبثا في الفضاء.
وقد يتخيل من لا يتدبر آيات القرآن، ولم يعلم كيف تشكل هذا العالم، أن ما يقوله القرآن عن أحوال الساعة "نوع من الترهيب للبشر لكي يقبلوا على الإيمان "، لكن تبدل نظام هذا البناء الكوني العظيم المتمالسك بقوى كبري وتحكمه قوانين ثابتة، لا بد أن تصاحبه ضربة كونية هائلة، ولذلك توصف الساعة في القرآن بألفاظ لا نعرفها في كتب الأديان، ولها دلالتها: ((القارعة"، "الصاخة"، "الغاشية"، "الطامة الكبري "، لكنها ستجيء بحسب قانون عظيم من قوانين الصنع الإلهي الذي لا يصح أن ننظر إليه من زاوية أحاسيسنا بالخوف والضعف، بل من زاوية الإجلال والإعجاب بحدث كوني يقع بحسب قوانين القدرة والحكمة معا، ولذلك فإن " الساعة " تسمى ((الحاقة))، أي التي لا بد أن تأتي وتتحقق وفيها تجري الأمور (( بالحق))، ويكون الحكم في أى أعمال العباد "بالحق ".
وعندكما يقرأ المسلم أو غيره آيات قيام الساعة يجب عليه أن يسأل العلماء المتخصصين في العلم بهذا الكون وكيف تشكل بشموسه الهـائلة ومجراته الكبري وبأي قوة انفتق ذلك "الرتق " الذي تحدث عنه القرآن، بحيث أخذت أجزاؤه الأبعاد الهائلة التي يعجز الخيال عن تصورها، وليتصور الحالة الأولى التي كان عليها تشكل ذلك الفتق، وما صحبه من ظاهرات شبيهة بما يحدثنا عنه القرآن عن ظاهات ((قيام الساعة" وسيتبين له أن ذلك كله يجري بحسب مبدأ واحد هو قول الله" يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فعلين "، (الأنبياء/ 104 ) .
الإيمان بالبعث للحساب والجزاء: هو أصل اعتقادي في الديانات الثلاث، وهو من "الغيب المقبل)) أو ما يسمى "السمعيات" أي التي أخبرنا بها الوحي وسمعناها منه، والإيمان بالبعث يترتب على الإيمان باليوم الآخر وتقتضيه اعتبارات العناية الإلهية والضرورات الأخلاقية ، للجزاء بحسب العمل في حياة مقبلة بعد هذه الحياة التي كانت بحسب القرآن دار ((تكليف "، ولم تكن عبثا: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لاترجعون ..." (المؤمنون/ 115).
وقد جاء تأكيد البعث كثيراً في القرآن ، والمقصود، كما يؤخذ محل آياته أنه بعث في أجساد، ومع أن القرآن لم ينص صراحة على أن البعث سيكون بذات الجسد الذي كان للإنسان عند الموت، إلا أن المؤمنين بالبعث الجسدي يحافظون على الجسد عند الموت ويودعونه الأرضي بمراسم محددة، " (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخري " ، (طه/55)، لكن بعض أهل الكتاب لا يراعون المحافظة على الأجساد ويحر قونها، "وهذا شيء شنيع حقا، لأن الجسد الآدمي ليس مجرد شيء بل كان أداة للنفس في هذه الدنيا لتؤدي به ما فرضه الله عليها.
والقرآن إذ يؤكد البعث يصور الخروج من القبور تصويراًحياً قوياً مؤثراً: ((الأرض ستنشق ، والقبور ستبعثر، ويخرج الناس منها أفواجاً مسرعين كأفواج الجراد المنتشر خاشعة أبصارهم، تغشاهم الذلة"، (ق / 44، الانفطار / 4، القمر / 7، المعارج/ 43- 44).
والقرآن يرد علي المشككين في البعث ردودا ًمتنوعة ، بحسب نوع السؤال ، وهو يأخذهم بالرفق البالغ والمنطق الهاديء، والأساس الذي يقوم عليه خطابه لهم هو أن يرجعوا الى التفكر في ((الخلق الأول)) أو ((النشأة الأولى )) للإنسان، وكيف بدأ وجوده وتطور: من "طين " نفخت فيه روح علوية، إلى مرحلة تحول جديد تمثل في حياة التناسل التي نحن عليها. ثم التقلب بعد ذلك في مراحل الحياة المتنوعة، إلي أن تنتهي بالموت، وبعده تكمل السلسلة بالبعث والجزاء (ص/ 71- 72، المؤمنون/ 12- 16). وقد نجد إلى جانب ذلك إشارة إلى ظاهرة الحياة وتجددها على مستوي الطبيعة (الحج/ 5- 7). والقرآن هنا يريد من الإنسان أن يقيس إمكان البعث لحياة أخرى على ما يعرفه من أمور حياته ومن الواقع الذي يحيط به.
وقد كانت الأسئلة كثيرة متنوعة ، والقرآن يذكرها ويجيب عنها، فإذا تساءل البعض: "من يعيدنا" ؟ ، جاء الجواب " قل الذى فطركم أول مرة " (الإسراء/ 51 ).
" وقالوا أءذا كنا عظما ورفاتاً أءنا لمبعوثون خلقا جديداً ، فجاء الجواب " أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم " ؟ ( الإسراء /98 ـ 99 ) .
ويقول الإنسان " أءذا مامت لسوف أخرج حيا ؟ والجواب " أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا " ؟ ( مريم / 66- 67).
" أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلي قادرين على أن نسوي بنانه " ( القيامه /3،4 ) ، وقد يسألون : " أءذا ضللنا فى الأرض أءنا لفي خلق جديد " ، ( السجده /10 ) أو " أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد"والجواب" قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ"(ق/3 ـ 4)
ولنذكر آيات اشتملت على المسألة بإيجاز، وهي قد استلفتت نظر المفسرين بل الفلاسفة، فذكرها الكندي في رسالة له لا إحصاء كتب أرسطو، ونظرا لما فيها من قصر العبارة وغزارة المعاني وإمكانيات الأدلة فإنه اقتبسها لتكون، مثلا للعلم النبوي وما يتميز به في مقابل علوم البشر العادية، كما نجدها في بحسب طريقة الفلاسفة وما فيها من بعد السبيل عن العقل العادي، وهذه هي الآيات:
"أو لم ير الإنسان إنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أو ليس الذى خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلي وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذى بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ( يس /77 ـ 83 ) .
لنلاحظ أن الآيات تذكر : 1ـ موقف الشك والتساؤل من حانب الإنسان وعدم تفطنه لكي ينظر في ذاته ليجد الدليل.
2- الجواب بأن القدرة التي ستبعث الموتي هي التي أوجدتهم من قبل.
3 ـ مثال من الطبيعة يقرب للشاك إمكان ظهور الشيء ( النار ) من شيء ( الشجر الأخضر ) يبدو أنه مضاد لطبيعة ذلك الشيء وتبعاً لذلك إمكان ظهور الحياة فى مادة الأجساد البالية .
4ـ النظر الى لمشكلة البعث فى إطار مسألة أكبر هي خلق الكوني بما فيه وأن الخلق والبعث جزء من ذلك النظام .
5ـ بيان نوع الفعل الإلهي وأنه إبداع يتميز عن أفعال المخلوقات .
6ـ تأكيد القدرة الإلهية المحيطة بكل شيء .
والقرآن في مضوع آخر يأمر باستقراء الطبيعة لنري كيف يبدأ ظهور مخلوقات بالقدرة، لكي لا يشك الإنسان في إمكان النشأة الأخرى: " قل سيروا في الأرص فانظرو كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشاة الأخرة إن الله علي كل شيءقدير"، (العنكبوت/ 20) .
على أنه يحسن أن نلاحظ أن القرآن لا يبين كيفية البعث، والحق أنه خلق جديد" ونحن لا نعرف كيف كان "الخلق الأول"، لأن معرفة "الكيف " لا تكون إلا بالمعاينة إذا كان عند الناظر وسيلة الإدراك المناسبة، والقرآن يقول:" ما أشهدتهم خلق السماوات ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا " ( الكهف /51 ) .
وسواء كان البعث بذات الجسد الذي مات عليه الإنسان أو بجسد مماثل بدليل قوله:" أن يخلق مثلهم "، فإن كلا من النشأة الأولى والنشأة الآخرة للإنسان حلقتان في سلسلة من صنع الله الذي يخلق عالماً بعد عالم، " الله يبدؤا الخلق ثم يعيده " ، ( مثلا الروم /11 ) .
ويحسن بالقارىء للقرآن، في الأمور الغيبية التي يتحدث عنها القرآن، أن يتفطن إلى أن "عالم الشهادة" الذي نعيش فيه ينطوي ، عندما نتعمق في أسراره، على تقريب كل ما يحدثنا الله عنه من علم الغيب إلى أذهاننا.
الإيمان بالقضاء والقدر: هو أصل اعتقادي في الديانات المنزلة: فكل ما يقع في العالم، سواء من أفعال البشر أو غيرهم أو من فعل الطبيعة فهو "قدر" أو "يقدر "، وهذا يؤمن به أيضا الفلاسفة المؤمنون بالله، من مسلمين وغير مسلمين.
وفي القرآن لفظ "قضى" بمعنى: أوجد أو أراد وجود الأشياء على ما هي عليه في جملتها، و. هذا يؤخذ من قوله تعالي عن خلق السماوات: " فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحي فى كل سماء أمرها " ( فصلت /12 ) ، وأيضا بمعني امر أو أراد وحكم : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " ( الإسراء /23 ) .
وفى القرآن ألفاظ كثيرة ، هي صيغ من الأصل الثلاثي " ق د ر " قدر يقدر ، قدرنا ، ولفظ قدر ( بفتح الدال وتسكينها ) ، " تقدير " ، " مقدار " واستقراء هذه الصيغ بحسب السياق يدل علي ألوان من المعني يمكن إدراكها بسهولة .
فنجد الدلالة على الحكم والإرادة : " نحن قدرنا بينكم الموت " ، ( الواقعة /60 ) ، وفى امرأة لوط نجد قوله " قدرنا إنها لمن الغابرين " ( الحجر /60 ) ، ونجد الدلالة على الكم المحدد : " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " ( الحجر /21 ) " الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر "( العنكبوت /62 ) ولما خلق الله الأرض" قدر فيها أقواتها "(فصلت /10 ) .
ونجد تقدير أمور أخري : الزمان " والله يقدر الليل والنهار " ( المزمل /20 ) تقدير الحجم والحركة " والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم " ( يس /39 ) . وتقدير المسافة " وقدرنا فيها السير ( سبأ /18 ) ، المدة الزمنية أو الوقت من الزمان أو درجة الاكتمال ... فالجنين يبقي فى بطن أمه " إلى قدر معلوم " ( المرسلات /21 ـ 24 ) وكذلك الوقت المناسب للأحداث التى اقتضتها حكمة الله " ثم جئت على قدر يموسي " ( طه /40 ) ، ثم صنع الدروع بحسب التناسب بين أجزائها : فالله يوحي إلى داود : " أن اعمل سابغات وقدر فى السرد " ( سبأ /11 ) ، وتوصف القوارير فى صنعها المحكم بأن الذين يقدمونها فى الجنة " قدر وها تقديراً " ( الإنسان /16 ) ، وذلك من حيث الحجم والشكل ...
لكن فى القرآن أحكام عامة مثل قوله تعالي " وخلق كل شيء فقدره تقديراً " ( الفرقان /2 ) ، أي أنه تعالي هيأ كل شيء لما أراده منه ومن خصائص وأفعال مثل تهيئة الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط العلوم والصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك ( البيضاوي ) .
ولهذه الآية الجامعة امثلة فى القرآن ، كقولة تعالي : " أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " ( طه
/50 ) ، وقوله"وكل شيء عنده بمقدار"( الرعد /8 )،" قد جعل الله لكل شيء قدرا "(الطلاق/3 )
فى ضوء هذه الآيات المحكمة ، يمكن ـ مع استقراء الألفاظ والتدبر في معانيها ، القبول بأن كل ما في هذا الكون قد ظهر إلى الوجود بحسب مبدأ يضبط كل شيء : طبيعة الأشياء وخواصها والكم والعلاقة والتناسب بين الأشياء على مقتضى أن الله قد خلق كل شيء " بالحق"
لكن يسود فى تفكير كثير من الناس كأن " القدر " نوع من الجبر إلى حد أن الناس قد يعللون الأعمال السئية أو التي تنشأ عن التقصير وعدم استعمال القدرة والارادة فى قهر الهوي والشهوات أو عن الإهمال أو نحو ذلك ، بأن يقولوا : هكذا أراد القدر ، هكذا قدر الله .
من الواضح ان هذا الموقف لايمكن الدفاع عنه لانه بتنافي مع ما فطر الله عليه الأشياء من قدرات وملكات وطبائع ، فضلا عن انه التنافي مع التكليف الإلهي وإيجاب الواجبات على أهل الأرض ومحاسبتهم عليها فكيف نتصور الأمر ؟
هنا لابد من الرجوع إلى القرآن نفسه لأن بعضه يفسر بعضاً ، جاء في القرآن قوله تعالي :
" إنا كل شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " ( القمر / 49 ـ 50 ) .
هنا أمران ، فى الآية الأولي : تفصيل ظهور الأشياء والأحداث بحسب جميع الظروف التى تحيط بها ، وهذا هو القدر بالمعني الذى شرحناه على أساس تدبر آيات القرآن .
وفى الآية الثانية : " الأمر " أو " القضاء " أو الإبداع الأصلي الكلي وهو " القضاء " بمعني إيجاد نظام الخلق بحيث يكون على ما هو عليه فى اسس وجودة وما يترتب عليها من أفعال وأحداث .
ولكن لما كان نظام المخلوقات فى جملته قد صدر عن قدرة الله وحكمته ، وكان بيده تعالي " الكل " وبقاؤه ، فلا غرو أن يعتقد المؤمن المفكر أن كل شيء فى الكوه فهو " بقضاء الله وقدره " ، من غير اعتقاد أن الأحداث والأفعال تجري ، وكأن العالم وما فيه مستقل عن قدرة الخالق وإرادته ومن غير إنكار طبائع الأشياء وما فطرها الله عليه من أفعال .
وبعبارة أخري فإنه ، بحسب نظرية " التدبير الإلهي المحيط بكل شيء " " والإذن الإلهي الشامل " تقع الاحداث كما قضي الله وقدر بأن يكون نظام العالم على ما نراه ، وهذا يؤمن به من عرف الله وصنعة المحكم .
هذا التصور يمكن ان نستخلصه من تدبر آيات القرآن ، وقد كانت المسألة موضوع بحث واختلاف عند المتكلمين : بين من نسب كل الأفعال والأحداث إلى الفعل الإلهي المباشر ، فأنكر طبائع الأشياء ، ومن نسبها إلى المخلوقات دون خالقها ، ومن توسط بين الأمرين ، كما شرح الغزالي مثلا بإيجاز فى كتابه " الأربعين فى أصول الدين " لكن القرآن قد أرشد إلى التصور الصحيح الذى ذكرناه ، والله أعلم ، وقد صارت المسألة موضوع بحث عند فلاسفة الإسلام وعند " علماء الكلام " ، ومن هؤلاء متكلمون متفلسفون يحسن ان نذكر بعض آرائهم لا لكي ندرس المشكلة عندهم بل كلي يتبين كيف انطلقت آراؤهم من النظر فى آيات القرآن .
فلنذكر على سبيل المثال تصور أول فلاسفة الإسلام ، وهو أبو يوسف يعقوب الكندي ، وذلك فى كتاب له فى التوحيد " لم يكتشف بعد ، لكن ابن عبدربه قد حفظ لنا منه فى كتابه " العقد الفريد " ( جزء 2 ) نصاً يدل على تصور فلسفي للعالم يستند إلى النظر فيما يراه الإنسان حوله من أشياء .
يقول الكندي إن الله خلق كل شيء بما له من صفات تجعل له طبيعته ، لكن بحسب ما هو " أصلح وأحكم وأتقن فى بنية الكل " .
ومن المخلوقات ما هو " مضطر "اي مجبور ، يقصد الأشياء الطبيعية التى ليس له اختيار ، ومنها ما له تمام القدرة والاختيار ، كالإنسان ونحوه .
لكن المخلوقات ذات القدرة والاختيار تنقصها الحكمة الكاملة التى هي لله وحده " مبدع الكل " فلو أنها كانت مطلقة القدرة والاختيار لتعدي فعلها الحدود وأفسد " نظام الكل " فلذلك قيد الخالق نظام الأشياء بأن جعل بعضها مؤثراً فى بعض وبعضها مناسبا لفعل بعض ، بحيث يمكن للمخلوقات ذات الاختيار ان تريد وتفعل أفعالها من غير إكراه لكن فى حدود ما أراد الله من صلاح نظام العالم .
ويدل كلام فيلسوفنا بسهولة على ان " القضاء " ، كما يقول ، هو إيجاد الإشياء بحسب ما قسمه الله لها من صفات ، وأن " القدر " هو ما ينتج من علاقات الترابط والتفاعل بين الأشياء ، وينتهي الكندي بأن يقول " فبالقضاء والقدر ساس جل ثناؤه جميع ما ابدع بهذه السياسة المحكمة التى لا يدخلها زلل ولانقض " ـ وهذه نظرة فلسفية إسلامية واضحة .
أما أفعال المخلوقات بوجه عام فهي تصدر عن طبيعتها كما خلقها الله ، ولم يجد الكندي أن هذا يحتاج إلى دليل ، لكن نظام العالم بما فيه تحيط به قدره الله " المبدع الممسك كل ما أبدع ، فلا يخلو شيء من إمساكه وقوته الا باد ودثر " ( آخر كتاب الفلسفة الأولي ) .
وللفارابي فا كتابه ((فصوص الحكم) تصور للقضاء والقدر يرتبط عنده بحسب فهمه " للقلم " و(اللوح"، بحسب ذكرهما فى الإسلام وأن كلا منهما ملك وهو يقول أن "القضاء يشتمل على مضمون أمر5 الواحد، والتقدير يشتمل على مضمون التنزيل بقدر معلوم ". لكن الفارابى من حيث الواقع الذي نشاهدة يري أن كل ما يقع فى هذا العالم ، سواء كان فعلاً طبيعياً أو ، اختيارياً، لا بد له من سبب، ثم تترتب الأسباب "مستندة إلى التقدير، والتقدير يستند إلى القضاء، والقضاء ينبعث عن الأمر، وكل شي، يقدر" .
ومن الواضح أن وراء تفكير الفارابي الآية التي سيأتي ذكرها.
ولابن سينا رسالة في "القدر"، وهي عرض شائق يحتاج إلي تحليل لأنه يصور لنا " الوضع الإنساني " تصويراً دقياتا، والشيخ الرئيس ينزع فى رسالته منزع أهل السنه من المتكلمين ، لكن مع نظرة علمية بعد تجربة شخصية تدبيراً إلهيا شاملا .
يقول ابن سينا إن الله علم وقدر الأشياء على ما هي عليه قبل خلقها ، وهو يقصد " بالقدر " شمول وتدبير الله وتسييره نظام العالم ، على حسب ما رتبه من نظام الأسباب والمسببات ، لكنه لايقول بالتقدير القهري الصريح ، وهو يشرح كيف تصدر عن الانسان أفعاله ، وهو بين مؤثرات من خارج ذاته وأخري من داخلها ، وينضم الى ذلك نوع التربية التى تهيأت له والعادات التى تعود عليها ، وعند ذلك يقوم صراع بين كل تللك العوامل ، فتقع الأفعال من الإنسان بحسب " اسباب رتبها القدر " وهذا عند ابن سينا هو الوضع الذى أوجده الله .
ونحب أن نلاحظ أن العلماء الإسلام مؤلفات كثيرة حول مسألة القضاء والقدر التى ظهر التفكير حولها منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، لكنه نهي عن الخوض فى المشكلة فى فترة تأسيس العقيدة الاسلامية ، فى وقت لم تكن العقول قد تهيأت تماما للبحث فى هذه المسألة الخطيرة التى تمس العلاقة بين أفعال الله وأفعال المخلوقات ، ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحكم فى أمر قدرة الله المحيطة بكل شيء وعن أعمال الإنسان قال : " إعملوا فكل ميسر لما خلق له " ، وفي هذا الكلام الموجز تأكيد لقدرة الأنسان ومسئوليته فى حدود الظروف التى تتهيأ له ومقدرته على العمل الحقيقي الصالح فى ظروف الوضع الإنساني العام .
فإذا أردنا متكلماً متفلسفا وجدنا الغزالي مثلا يعتمد على قوله تعالي " إنا كل شيء خلقنه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " ( القمر /49 ـ 50 ) ، وهو فى كتابيه " الأربعين .... " و " المقصد الأسني " يتناول الموضوع ، فيذكر " التدبير الأول " أو " الأمر الكلي " الذي هو " كلمح بالبصر " ، وهو تعلق قدرة الله وإرادته بوضع نظام الأسباب الكلية الدائمة ، وهذا هو " حكم الله وقضاؤه " ، ويذكر أيضاً توجية الأسباب الكلية الثابته إلى مسبباتها الحادثة بنظام ومقادير محسوبة شيئا بعد شيء ولحظة بعد لحظة ، وهذا هو " القدر " الإلهي .
ويجتهد حجة الإسلام فى أن يقرب المسألة كلها إلى الأذهان بمثال : فالتدبير الكلي وحكمة يشبه تصور آلة وصنعها ، تتألف من أجزاء كل منها له وظيفته وطبيعته لكن فعلها وما ينتج عنه فى داخلها وفى خارجها ، مهما تسلسل ، يقع بمقادير وحركات تنشأ عن جزء فى الآلة ، وكل ذلك يرجع إلى إرادة الصانع ، فوضع نظام الآلة فى جملته يقابل " القضاء " وعمل الاجزاء ، كل منها بما يخصه ، هو " القدر " وكل ما يقع فهو بحسب تقدير الصانع للآلة ، لكن الغزالي ينبه القاريء إلى أن يجتهد فى فهم الأمور الإلهية من غير تشبية للتدبير الإلهي بتدبير المخلوقات ، ووصف الآلة التى اختارها الغزالي وهي " صندوق الساعة المائية " فى عصره وصف دقيق ، ويمكن اختيار مثال آخر فى عصرنا ، لكن المهم فى هذا كله هو تأكيد علم الله وتقديره وتدبيره لهذا العالم من غير إلغاء طبائع الاشياء من جهة ومن غير إخراجها عن دائرة التدبير الإلهي ، وهذا لايمكن إدراكة إلا بحسب مفهوم رفيع للتوحيد ، بمعني وحدة النظام الكوني المترتبة على وحدة الخالق القادر الحكيم ، وذلك يحتاج إلى تحليل لايتسع له المقام ، وتكفي الإشارة إليه لكي يجعله المؤمن المفكر موضوع تفكر عميق .
السموات والأرض وما بينهما في القرآن
يؤكد القرآن دائما أن الله " رب العالمين ، ومهما تنوع التفسير للفظ "العالمين" فلا شك أنه يدل علي صنع الله الذي لا نهاية له، لأنه تعالى خلاق مبدع من الأزل إلى الأبد.
وقد اقتبسا العبارة التي اخترناها لتكون عنواناً للكلام عن عالم كبير نشاهد بدايته إمامنا، ويؤخذ من آيات القرآن أن هناك ما هو أكبر من ذلك (مثلاً آل عمران/133، الحديد/ 21). لكن "الكتاب الحكيم " يحدثنا خصوصاً عما نشاهده بوسائلنا، أما أعماقه فهي بعيدة بعداً قاصياً، غيرأن الله جعل النظر فيما ندركه من ذلك سبيلاً إلى معرفته والإيمان بقدرته وحكمته وعنايته بالإنسان على كوكبه الذي جعله الله مستقراً له ومتاعاً إلى حين (الجا ثية/ 13، البقرة/ 36).
والقرآن، بعد أن بين أن هذا الكون " خلق أصيل على غير مثال سبق " ( بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) ( البقرة / 117 ) ـ نبه إلى جوانب أو أنحاء لوجود ما فيه لكي يجعلها الإنسان موضوعات لنظر العقل ودراسة الأشياء .
وقاريء القرآن يلاحظ ان كل ما تحدث عنه من آيات الكون موضوع بحث علمي ، بل علوم كثيرة بالمعني الإيجابي الحديث الذي يتناول دراسة وقائع الكون بحسب مناهج البحث العلمي ، وإذا كان القرآن قد صرح بأن في ظاهرات الكون وفي الإنسان وأمور حياته آيات " للعالمين " أو " لقوم يعلمون " ويقول أيضا بعد الإشارة إلى بعض الظاهرات الطبيعية : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " ( فاطر /28 ) فإنه صرح بأنه المعرفة الأساسية الممكنة للإنسان بهذا الكون تعتمد على استعمال الحواس والعقل ، وذلك بقوله " والله اخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون " ( النحل /78 ) .
أما الجوانب التى نبه إليها القرآن فهي موضوعات كبري وعامة يجري البحث فى إطارتها ، فى شتي ميادين المعرفة بالكون ، ولايمكن فى خارج إطاراتها ، العامة أن يقوم علم بجزئيات من جميع وجوهها .
وقبل الدخول فى ذلك كله يجب ان نشير الى ان المصنفات في " علوم القرآن " وهي مصنفات جليلة لعلماء كبار متخصصين على مر القرون ، إنما تناولت خصوصاً دراسة القرآن نفسه من كل الوجوه : نزولة وتدوينه ولغته وأسلوبه وإعجازه وتفسيره ومحكمة ومتشابهة ... وغير ذلك ، وهي دراسة لم يحظ بها كتاب منزل او غير منزل ، بحيث تحقق تماماً فى ضوء شواهد التاريخ الثابت معني قول الله فى القرآن : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ( الحجر /9 ) .
لكن تلك الكتب العظيمة لم تتناول الدراسة التحليلية للآيات التى تتحدث عن الكون ، ومع انها تعطي احكاما كلية عن الكون وما فيه وتنبه إلى القوانين التى تحكم الظاهرات او تفسر وجودها ، إلا أن بعض الذين كتبوا في علوم القرآن من المحدثين لم يميلوا إلى تفسير الآيات فى ضوء المعرفة العلمية الحديثة الصحيحة ، مع أن القرآن يدعو ، بل يوجب ، النظر فى الآيات لتكون مشروعات لأبحاث كبري نعرف منها صنع الخالق العظيم ، ونستدل أيضاً على عنايته بالإنسان لكى يستخدم العلم بطبائع الأشياء ويستخدمها في مصالح حياته، لأن الله سخرها له ليستطيع أن ينظم حياتة وينشيء حضارته على كوكبه الفريد .
واني أعلم أن كثيرين لا يميلون إلى دراسة آيات ((الكتاب الحكيم)) بحسب معطيات العلم. لكن إذا كان جميع المفسرين من أول الامر قد اجتهدوا في تفسير الآيات الكونية بحسب ما عرفوه أو تخيلوه من دلالة آيات القرآن مطبقة علي موضوع الكلام، فماذا يمنع اليوم من تفسيرها بحسب مانعرف من صنع الله الذي حدثنا عنه: " بلسان عربي مبين "، وذلك بوضع الألفاظ وما فيها من أحكام خاصة بالواقع بإزاء الواقع نفسه، لكي نعرفه أو ندرك الدلالة العميقة لما تشير إليه الآيات، إذا كنا في عصرنا نعرف عن ذلك حقائق ثابتة حول مختلف الأشياء التي ذكرها القرآن؟
علي أنه قد كانت آيات الكتاب الحكيم سبباً في إيقاظ عقول علماء الإسلام جميعاً وتوجيههم إلي البحث في الكون، فأنشأوا العلوم الطبيعية والكونية بكل أنواعها متخذين من آيات القرآن أصولاً في المعرفة بالكون، وأفكاراً قائدة لهم في البحث، ومناهج وأهدافاً للوصول إلي المعرفة، لكن الكثير من الآيات لم يدرس الدراسة الكافية، ولا يمكن أن تتجلى معانيها إلا في ضوء المعرفة العلمية الحديثة، ولذلك نجد اليوم علماء مسلمين وغيرمسلمين يؤلفون في علوم القرآن بالمعنى الذي نقصده، ويفهمون آياته فهما جديداً، ومن تلك الآيات ما سيظل بلا تفسير مناسب إلى أن تتقدم المعرفة، ولذلك فإن القرآن كان ينظر إلى المستقبل البعيد عندما قال عن الإسلام والقرآن:" سنريهم ءايتنا فى الأفاق وفي انفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد " ( فصلت /53 ) .
أن يستخلص من القرآن أحكاماً عامة متكاملة عن الكون فى جملته وكذلك عن أجزائه الكبري فى السماء والأرض ، ونستطيع اليوم أن نتحدث بحق عن " علم كوني قرآني " أعني " كوسمولوجيا قرآنية " بالمعني المعروف فى العلم الحديث ، وهو أن علم الكوسمولوجيا هو منتهي دراسة علم الفلك العادي ، لانه يتناول أموراً كلية حول أصل هذا الكون ونشأته وطبيعته وتشكلاته وقوانينة العامة ، وما يسميه العلماء " سلوك الكون " ومدة وجودة ومصيره ونهايته ونحو ذلك من أحكام . فأما دراسة أنواع الأشياء فى السماء والأرض فهي موضوعات للعلوم الكونية الجزئية التى لا حصر لها . وكان علماء الإسلام قد ساهموا فى ذلك بجهود أدت إلى الابتكار وسجلها تاريخ العلم وجاء المؤلفون فألفوا فى ذلك بجهود أدت الى الابتكار وسجلها تاريخ العلم ، وجاء المؤلفون فألفوا فى ذلك مثل العالم الإيراني الكبير سيد حسين نصر Seya Hoosier nasal الذي ألف كتابه " العلم الإسلامي " Islamic science ، وكتابه فى " النظريات الكوسمولوجية الإسلامية Islamic Cosmological Doctrines
,وكذلك ألف عالم كبير هو أفضال الرحمن كتاباً عاماً بعنوان " العلوم القرآنية "
Afzalur Rahman: Quranic Sciences ( The Muslim School Trust, London
وقد اشتمل هذا الكتاب بإيجاز على كثير جداً من موضوعات العلوم الطبيعية المتنوعة والكونية مع الإشارة المستمرة إلى آيات القرآن .
والمؤلفات الحديثة فى ذلك كثيرة في شتي بلاد الإسلام ، بل هناك مجالات ظهرت فى ذلك .
ومنذ أكثر من نصف قرن أراد الأزهر الشريف فى القاهرة تثقيف طلبة قسم الوعظ والإرشاد في كلية أصول الدين بشيء من العلم الطبيعي الحديث بعنوان ((سنن الله الكونية)). وأسند التدريس للعالم الفاضل طيب الذكر الأستاذ محمد أحمد الغمراوي، فكان هو الرائد في الميدان، وكانت الثمرة كتاباً له ظهر بالعنوان نفسه عام 1936، ثم جمعت حديثا دراسات له شائق بعنوان ((الإسلام في عصر العلم)) والآن كثرت الكتب التي تتناول الإسلام والعلم أو آيات القرآن وتفسيرها بالعلم، وكذلك تعقد المؤتمرات حول ((العلم في سياسة الدولة الإسلامية)) science in lslamic polity ، وحول القرآن وإعجازه العلمي (باكستان.) وتعقد الملتقيات الفكرية الدورية حول الفكر الإسلامي في شتى ميادينه، ومنها ما خصص للقرآن وعلومه، بل إن وسائل الإعلام في بلاد الإسلام تتناول آيات القرآن وتلقي الأضواء على معانيها بحسب المعارف العلمية العلمية الحديثة.
علي أن كل ما ظهر من ذلك ليس سوق بداية، ولا بد أن يتوفر على تفسير آيات القرآن الكونية متخصصون بالمعنى الدقيق يلتزمون بالفهم السليم لألفاظ القرآن وأحكامه الكلية في هذا المجال مع النظر في الواقع الكوني ومحاولة التفسير من جديد، بلا اعتماد علي الخيال ولا على شيء يبعد بالآية عما تشير إليه بدقة.
جوانب كلية لهذا الكون في القرآن: وقبل أن نتكلم عن الجوانب الكلية لنظام المخلوقات يحسن أن نشير بإيجاز، أن القرآن تناول كل ما يقع تحت الحس من ظاهرات علي الأرض وفي الجو القريب منها وفي داخل النظام النمساوي، وهو إذا كان قد أشار إلى بعض الأشياء على سبيل الإجمال أحياناً، فإنه تحدث عن مجرى بعض الظاهرات ومراحلها سواء ما يحدث في الجو مثل المراحل التي يسقط في نهايتها المطر (النور-/43) أو مراحل ظهور النبات على الأرض، مع الإشارة إلى جمال الطبيعة (عبس/ 24- 32، الحج/ 5، الشعراء/7) أو عالم الحيوان من حيث أصنافه وما في بعضها من زينة وجمال يسعد به الإنسان( النور/ 45، النحل /8) أو مراحل تكوين الجنين في بطن أمه، ثم تقلب الإنسان في مراحل الحياة، (الحج/ 5، المؤمنون/12- 14)، هذا وقد أعطى القرآن أسماءً وألفاظاً واضحة لكل ما تحدث عنه، فوضع الأسس للمصطلح العلمي .
أما الجوانب التي أشرنا إليها فهي كثيرة ومتنوعة ومن أهمها:
.
.