صفحة جديدة 1
   
صفحة جديدة 1
Google
صفحة جديدة 1
العودة   ديوان العرب > المنتديات > الدراسات والبحوث

اخر المشاركات التي تم طرحها في: ديوان العرب
عنوان الموضوع كاتب الموضوع اخر مُشارك المشاهدات عدد الردود
من اقدم مسولفشي بالديوان ام عمر ام عمر 52 2
تطوير أداء مسؤولي العلاقات العامة و الإعلام هبة مركز جلف هبة مركز جلف 4 0
تخطيط وتنفيذ حملات التوعيـــــــة والإرشــــــــــاد هبة مركز جلف هبة مركز جلف 2 0
مقدمة عن البرمجة ولغات البرمجة وكيفية تحديد مسارك في مجال البرمجة هبة مركز جلف هبة مركز جلف 7 0
كيفيه عمل خطة العمل الخاص بك على طريقة business model and plan هبة مركز جلف هبة مركز جلف 8 0
اني أرى كؤوسآ قد اينعت بدرالدجى طلال 59 3
ادارة النظم وتكنولوجيا المعلومات هبة مركز جلف هبة مركز جلف 29 0
ادارة الازمات الامنية طبقا لنظام الجودة العالمى هبة مركز جلف هبة مركز جلف 30 0
تركي محمد من جدة يروي تجربته في إنعاش العقل ستونان ستونان 44 0
ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا رحيق مختوم رحيق مختوم 50 0

الدراسات والبحوث يهتم بالدراسات العلمية والادبية (جديد)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-30-2005, 11:31 PM   #1
نــوف
رائحــة الـورد
 
الصورة الرمزية نــوف
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 2,902
افتراضي القرآن الكريم ..



الجزء الأول.
.

تمهيد
.

القرآن روح من أمر الله :

الكلام عن القرآن أو عرض ما جاء فيه من نظرة متكاملة للحقائق الكبرى والمبادئ الكلية وما يندرج فيها من دقائق المعاني ومن إشارات تدركها العقول أو تشعر بها القلوب، وما لألفاظه من دلالات متنوعة، يفوق طاقة أي إنسان، لأن القرآن كتاب الله الذي أنزله تبيانا لكل شيء (النحل/ 89)، وهو الإسلام كله، بل الدين كله، لأنه اشتمل على حقائق الإيمان وعلى كل ما نزل من أصول الديانات المنزلة قبله، وهذا يعرفه من قرأ القرآن وتأمل معانيه ومقدار ، تثقيفها للعقول بأصول المعرفة، ويعرف ذلك أيضاً من أدرك تأثير آيات القرآن في أحاسيس القلوب وفي دفع الإرادات والهمم.

والقرآن يملأ شعور المسلم بما فطره الله عليه من: حب العلم، والشعور بلذة المعرفة، وروح التقوى، وهو يبين للإنسان مكانه الرفيع بين الموجودات وموقعه في هذا الكون الذي يحيط به، وهو في الوقت نفسه يبصر الإنسان بموقعه في هذه الحياة الدنيا وزينتها وطيباتها ، فلا يمنعه من محبتها والتمتع بها، شريطة أن تكون خالصة من المؤاخذة في يوم الحساب (الأعراف/ 32).

إن وقع آيات القرآن في عقل المسلم وقلبه ليس وقعاً لمجرد كلام مملوء بالمعاني العظيمة العميقة، بل هو فوق ذلك ما أشار إليه الخطاب الإلهي للرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلنه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) ( الشورى ، 52 ـ 53 )
فالقرآن روح من "عالم الغيب " يسري في الأرواح الطاهرة المستعدة لقبول الحق، هو ينير العقول ويحمى القلوب بحقائق من ذلك العالم الذي ينتمي، إليه عقل الإنسان وقلبه.

إن القران كلام الله، وهو " الحق المبين " (النمل/ 79)، ولا يحيط بما فيه إلا الله، ولا يمكن لمخلوق أن يحيط ببعض ما فيه، ولا أن يدرك دقائق معانية لكن الله أكرم الإنسان بأن خاطبه بكلامه تعالى وبلسان بني آدم، لكي يعلمه أصول الحقائق، ويفتح أمام عقله آفاق التفكير والنظر. والله يقول عن كتابه: (ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر) (القمر/17)، كما أنه أمر الإنسان بأن يتدبر آيات كتابه (ص/ 29)، وعلى هذا فإنه يصح للإنسان، بل يجب عليه إذا كان على حظ مناسب من قدرة الفكر ومن العلم بلغة العرب أن يجتهد قدر استطاعته في دراسة آيات "الكتاب الحكيم " ويستخرج منها المعرفة، ولكن لابد له أيضاً من أن يستعين أولاً بما أرشده الله إليه من فهم كتابه، وذلك بأن يتأمل آياته ويفهم بعضها في ضوء بعض (آل عمران/7)، ومن الطبيعي أن يرجع الإنسان إلى ما فهمته العقول الكبيرة من آيات القرآن، لأنه يقول إن معانيه إنما تفهم وتتجلى مع تزايد المعرفة ومع مرور القرون وتضافر جهود العلماء، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: (سنريهم ءايتنا في الأفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) ( فصلت /53 ) .
ويقول أيضا: ( بل هو ءايت بينات فى صدور الذين أوتوا العلم ) ( العنكبوت /49 ) . أما الجاحدون المكذبون فهو يقول عنهم : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ، ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) (يونس /39 ) .

عرض بعض ما جاء في القرآن، مستعينا بالله في فهم آياته، بقدر طاقتي، وأحب أن أقصر كلامي على موضوعات محددة، أضعها أمام القارىء لكي يتعرف على روح كتاب الله ويعرف منهجه وكيف علم الإنسان من حقائق الوجود والكون وعرفه بحقيقة ذاته ورسالته في الأرض وبما لا يحصي من مسائل العلم والمعرفة.

ومهما كانت قدرة العقل البشري قاصرة عن الإلمام بما في القرآن وإدراك حقائق معانيه وإشاراته المباشرة وما وراءها، فإن ذلك لا يعفي المؤمن من الامتثال لأمر الله بالنظر في كتابه والتعلم منه وتقديم ما يصل إليه، وبعد ذلك فإن له العذر إن قصر عن إصابة ما أراده الله من كلامه الذي لا يعلم حقائقه ودلالاته إلا هو سبحانه وتعالى.
أولا ـ بين يدي القرآن
مقدمات لابد منها
* الدين الإسلام
* مكان القرآن بين الكتب المنزلة.
*طريقة القرآن في التعريف ببعض المسائل.
* العلم والمعرفة.
الدين ، الإسلام

الدين :

لفظ " الدين " أصيل في اللغة العربية، وقد ارتبط بأمور الحياة العملية، وهو يدل على أمور كثيرة: الدأب والعادة، القاعدة في الحكم على الأمور، الطاعة والانقياد ، الجزاء والحساب والقضاء، وهو موجود في كلام العرب قبل الإسلام ، ونجده في القرآن والحديث الشريف، فلا معنى للبحث عن مصدر له غير عربي، كما يخيل لبعض المستشرقين، ثم إنه قبل الإسلام وبعده صار المفهوم من لفظ "الدين " أنه طاعة الله والتعبد له، وهكذا فهمه العرب.

اللفظ المقابل للفظ "دين " في اللغات الأوروبية يرجع إلى أصل لاتيني: Religio "، وهو يفيد الارتباط بشيء أو تأمل الأشياء بعدالة وأمانة، ثم صار يطلق على عقائد الدين وتنظيمه لأمور الحياة .

والتعريفات للدين بمعناه العلمي متنوعة في المعاجم اللغوية والمتخصصة، والمفهوم يتلخص في سلوك، عند جماعة، يدل على اعتقادهم بقدرة إلهية تدبر الأشياء وأمور الإنسان، ويتمثل ذلك في إرضاء تلك القوة وفي طقوس أو شعائر تؤديها الجماعة.

وعند أحد كبار علماء العقائد المسيحية، وهو توماس الأكويني Thomas of Aquin
( ت 1274 م ) تعريف للدين بأنه "الفضيلة التي يؤدي بها الإنسان لله ما يستحقه من التعظيم ".

ثم جاء علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وأخذوا يتخيلون نشأة مفهوم الألوهية وأنواع التقديس عند الشعوب البدائية، ولهم في ذلك آراء عديدة، وبعضها خيالي ، وهي خارجة عن نطاق بحثنا، لكننا نحب أن نلاحظ أن معظم التعريفات للدين والتدين لا تعدو أن تكون وصفاً لسلوك التدين ولا تتكلم عن نوع الدين ومصدره، لأنه توجد أنواع من التقديس عند الشعوب البدائية، وتوجد أديان تسمى "طبيعية"، وهي، وإن كانت قد ظهرت في العصور الحديثة عند بعض أهل الديانات المنزلة في الغرب وأخذت أصولا منها، إلا أن أصحابها يزعمون أنها تعتمد على العقل الطبيعي.

وهناك " الأديان المنزلة " أو "أديان الوحي الإلهي "Revealed Religions ، وهي التي نقصدها عند الكلام عن الدين بحسب التصور الإسلامي لمفهوم الدين والدين المنزل، حيث تبلور تعريف الدين بأنه "وضع إلهي سائق لذوي العقول باتباعهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح

فالدين بمعناه الحق هو الذي يأتي من عند الله، ويكون موجها للعقلاء، لأنه، أصول في الاعتقاد والعمل، يتصورها الفكر ويعمل بها الإنسان، والعقلاء يقبلون الدين عن حرية في الاختيار، وهو ليس مجرد عقيدة أو شريعة، بل هو نظام كامل للحياة الإنسانية السليمة الكاملة في هذه الدنيا ، وهو يضمن الفوز بالسعادة بعدها.

وجوهر الدين المنزل: الإيمان بوجود الإله الواحد الحق، الذي خلق الإنسان وعين له مكاناً بين الموجودات، وبين له رسالته الخاصة التي يؤديها في الأرض وتسأل عنها.

ومن يدرس تاريخ التدين وأنواع الديانات ، وينظر في الدين كما صنعه البشر أو تخيلوه، وكذلك من يتأمل مفهوم الألوهية كما تصورته الشعوب، وكما تصوره الفلاسفة قديماً وحديثاً، يدرك بسهولة عظم الفضـل الإلهي على بني آدم بمجيء التعليم الإلهي الذي عرفهم بجوهر الدين، وهو الإيمان بالله واتباع هداه، وصحح لهم أصول المعرفة، وأعطاهم النظرة الشاملة لكل ما يحتاجون إليه، وكيف كان يتسنى لهم معرفة الحقائق الكبرى في الدين أو الكون أو الحياة وهم مقيدون بانطباعات هذا الكون المحيط بهم؟.

( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً )
( النساء /113 ) .

الإسلام :
وقد سميت الرسالة المحمدية باسم اختصت به، وهو "الإسلام "،وسمي أصحابها بأنهم مسلمون، لكننا نجد في القرآن أنه يصف جميع أهل الرسالات الإلهية بأنهم "مسلمون "، والمقصود " الإسلام لله " (مثلا نوح: يونس/ 0 1، إبراهيم ويعقوب: البقرة/ 28 1، 1 3 1- 33 1، موسى: يونس/ 84، أتباع سيدنا عيسى: المائدة/ 111).

لكن إحدى الديانتين السابقتين سميت بنسبتها إلى سلوك هو عمل ديني، وهذا هو اسم اليهودية، وهو يرجع إلي: هاد يهود، أي تاب ورجع إلى الله، وهذا ما يدل عليه القرآن (البقرة/ 62، الأعراف/ 156). والديانة الأخرى ، سميت بنسبتها إلي صاحبها: "المسيحية" نسبة إلى المسيح عليه السلام أو النصرانية من مناصرة أتباعه له في دعوته، وهذا يؤخذ من القرآن أيضاً (آل عمران/ 52) وذلك أن سيدنا عيسى لما أحس إنكار بني إسرائيل لدعوته قال ( من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ء امنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) ( وانظر أيضاً المائدة /111 ) ، وقد سميت الديانات الأخرى بأسماء مؤسسيها : البوذية ، الزرادشتية ..... ) .

ويقترن اسم الإسلام بإبراهيم عليه السلام. (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العلمين ) ( البقرة / 131 ) .

ونستطيع أن نلاحظ أنه لم يكن للدين، أو بالأحرى للتدين، معنى ذاتي خاص ومحدد قبل تسمية "الإسلام "، فلما جاء القرآن بين مفهوم الدين وروحه وأعطاه التسمية المميزة التي تنطبق على الرسالة المحمدية وعلي كل الرسالات السابقة.

الإسلام ، الإخلاص :
التعريفات الجارية للإسلام هي في الغالب تعريفات إجمالية وموجزة جداً، من قبيل أنه الطاعة والانقياد لله، وهذا من الإسلام، لكنه الظاهر، وهو بمثابة القشر من اللباب، ولا يتجلى المعنى المتكامل للفظ "الإسلام " من شتى جوانبه إلا باستقراء معاني كل ما هو مشتق في القرآن من الأصل اللغوي، وهو "س ل م "، وتفاصيل جوانب تلك المشتقات موجودة في القرآن ولا نحتاج للتأكيد عليها، والمهم أن الاستقراء يبين عمق الدلالة ، وروحها.

فالإسلام ليس نوعاً من الاستسلام، بل هو "إسلام لله "، طوعاً واختياراً من جانب المسلم، وربما يكون أهم لون لمعنى كلمة "إسلام " هو أن يبرئ الإنسان عقله من شوائب الشرك الخفي ومن كل عبودية أو عبادة أو تقديس لشيء إلا لله، بحيث يثق به، ويتوكل عليه، ويتبع هداه، ويجعل ذاته لله بكليتها "سليمة خالصة"، وهذا هو معنى ما جاء في القرآن عن إبراهيم عليه السلام أنه " إذ جاء ربه بقلب سليم) (الصافات / 84)، وهو معنى قول القرآن: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب بالعالمين ) ( الأنعام /162 )

وليس معنى هذا هو العبادة بمعناها العادي فقط، لأن كل أعمال المؤمن التي يقصد بها تحقيق رسالة الإنسان الدينية والعقلية والأخلاقية هي أيضاً عبادة بمعنى حقيقي.

وفي القرآن مفهوم: " الإخلاص "، وهو أعمق وأدق من حيث الدلالة من المعني الجاري للفظ، لأنه يقتضي أن يخلص الإنسان إسلامه من الشوائب، ومع أن لفظ: "مخلصون "في القرآن يستعمل كأنه البديل للفظ " مسلمون " فإن مفهوم "إخلاص الدين لله " موجود في آيات كثيرة (الزمر/ 2- 3، 11- 12) وهو يدل على عمل إضافي يفهم من اللفظ.

ومن الإخلاص ما قد يكون في أوقات الشدة، وهو ما يشير إليه القرآن من أن، الغافلين عن ذكر الله وعنايته، عندما تحيط بهم الأخطار المهلكة، فإنهم يدعون الله( مخلصين له الدين) (العنكبوت/ 65، لقمان/ 32).

ومن ذلك مفهوم "الإنابة" إلى الله عند الشدة، فهو يظهر إذا أصاب الإنسان ضر، فإنه " يدعو ربه منيباً إليه " الزمر/8، الروم/33)، لكن المؤمنين حقاً يدعون ربهم دائما (منيبين إليه " (الروم/ 31).

أما الإخلاص الحقيقي فلا بدله من عمل إيجابي كبير لتنقية الإيمان والأعمال من شوائب الرياء ، بل من شوائب الغرور بالأعمال الصالحة، والظن بأن الإنسان قد حقق بها ما أراده الله منه، مع أن الفضل كله لله ، وقد خصص علماء التربية الدينية- الروحية في الإسلام كتباً للإخلاص، وضموا إليه "الصدق"، كما نجد ذلك ميسراً للقاريء في كتاب "الإحياء" للإمام الغزالي، وإذا كان في القرآن مفهوم "المخلص " بكسر اللام، وكذلك مفهوم "المخلصين" فإن فيه مفهوم المخلص بفتح اللام والمخلصين أيضاً (مثلاً فيما يتعلق بسيدنا موسى عليه السلام (مريم/ 51) وبسيدنا يوسف (يوسف/24).

والمخلص بفتح اللام هو الذي استخلصه الله لنفسه واجتباه، والمخلصون هم الأبرار الذين حفظهم الله حتى لا يكون للشيطان سلطان عليهم (الحجر/ 39 - 40) وهم من (المصطفين الأخبار )، الذين اصطفاهم الله (فيما يتعلق بسيدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ص/48).

ولما كان الإسلام قد جاء مصدقاً لما قبله وكان التوحيد هو الجوهر المشترك بين كل الرسالات الإلهية، وحدد في الوقت نفسه مفهوم الدين والتدين تحديداً واضحاً وذكر التسمية، فإن من الطبيعي أن نجد في القرآن قوله تعالي( إن الدين عند الله الإسلام ) (آل عمران/ 19).

وهذا ليس دين الآدميين وحدهم، بل دين جميع المخلوقات:
( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يُرجعون)
( آل عمران /83 ) .

وإذا كان هذا هو الدين بمعناه الأساسي عند الله، فإنه هو الموقف الصحيح لكل مؤمن، ولذلك يقول القرآن: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) (آل عمران/ 85).

وكذلك لما كان إبراهيم عليه السلام هو الرسول الذي ينتسب إليه أهل الأديان الثلاثة جميعا، وكان الإسلام يبني على دين إبراهيم (مثلا النحل/123) فإن من شأن الإسلام الذي جاءت به الرسالة المحمدية أن يكون بهذا المعنى مقبولاً عند الجميع، وهذا ما يقوله الفخر الرازي في تفسيره لقوله تعالى: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) (النساء / 125).

الإسلام ، الإيمان، الإحسان: شرحنا الإسلام من حيث المفهوم العلي ، وهو في أول الأمر قد يكون الأمر الظاهر ويكفي فيه الإقرار باللسان إقراراً صادقاً، لكن لابد له، أن يتعمق ويصبح شعوراً مستقراً في الفكر والوعي، وهذا ما يسمى " الإيمان" ، وهو ما يشير إليه القرآن بالنسبة للأعراب الذين وفدوا من البادية واعتنقوا الإسلام، وظنوا أن الأمر مجرد إعلان أنهم "مسلمون "، فقال القرآن:( قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) ( الحجرات / 14).

فالإيمان فعل العقل إذا استقر في القلب، "والقلب" في لغة القرآن يشير إلى "العقل " في عمقه، ونحن في كلامنا عن الإسلام وصلنا إلى هذا المعنى.

ثم يأتي بعد ذلك ما أشار إليه الحديث الشريف، وهو "الإحسان"، وذلك في شرح الرسول عليه الصلاة والسلام لمعنى الإسلام والإيمان والإحسان. "والإحسان" مفهوم رفيع وعلي ، لأنه عبارة عن فعل الشيء على أحسن وجه يستطيعه المؤمن، وهو من قبيل ما نجده من مفهوم إتقان العمل، سواء كان قولاً أو مثلاً أو معللا (البقرة/178، 229) أو عبادة، وعلى الإنسان أن يحسن،إسلامه (النساء/ 125) فالإحسان قيمة زائدة عن مجرد الفعل حتى مع مطابقة العمل للمبدأ والقاعدة، لأن ذلك قد يكون شيئا آلياً شكلياً .

وإذا كان الله تعالى قد " أحسن كل شيء خلقه " (السجدة/7)، " (وصور الإنسان فأحسن صورته " (غافر/ 64)، فإن القرآن يريد من الإنسان أن يحسن عمله (الكهف/ 30)، وينال على ذلك (أجراً حسنا ) (الكهف/ 2).

والإحسان المشار إليه، إلى جانب الإيمان، هو إحسان العبادة، بحيث يكون التوجه إلي الله من داخل الذات، مع الشعور بالجلال الإلهي والحضور الإلهي، وأن يكون مناجاة له باستغراق الفكر كله حتى كأنه مشاهدة بالروح، وهذا هو معنى شرح الرسول عليه الصلاة والسلام لمفهوم "الإحسان "، وهو قوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

مكانة القرآن بين الكتب المنزلة

القرآن هو كلام الله الذي نزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو وحى من مصدر كل وحي سبق، وهو كلام الله لفظاً ومعنى.

(إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وءاتينا داود زبورا ) ( النساء /163 ) .
( شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( الشورى /13).

والقرآن ليس شريعة وتاريخاً لشعب معين، ولا هو مجرد دعوة أخلاقية روحانية على أساس الإيمان بالله، وغرضها إحياء الإيمان في القلوب والدعوة إلي محبة الله ومحبة الإنسان، وإنما يشتمل على الدين كله، وفي داخله الأدلة على صدقه، كما تبين ذلك في الكلام عن إعجازه، وكما سيتبين من كلامنا فيما يلي.

( قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم، لا يعلمون الحق فهم معرضون )(الأنبياء/ 24).

والقرآن يؤكد أنه جاء بالحق، مشتملا على دعوة الرسل والأنبياء جميعاً قبله، وهي الدعوة إلي التوحيد.

( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)(الأنبياء/ 25).

وجاء أيضاً مبينا لأهل الكتاب المعاصـرين له (المائدة/ 16، 19) ومكملا بعض أخبار الأنبياء، ومفصلاً بيان حمل المسيح عليه السلام بواسطة الروح القدس وولادته ورسالته (آل عمران/ 35- 51،مريم/ 16- 6 3، الأنبياء/ 91، التحريم/ 12). وموضحاً من خلق الإنسان وحياته في الأرض، كما سنري ،ومذكراً أيضاً بما نسي أوضاع من الوحي السابق (ا لمائدة/ 13- 14).

ونظراً لأن القرآن يؤكد أنه آخر الهدايات الإلهية فإنه جاء .
أولاً. مصدقاً، من حيث المبدأ، لما قبله، ومشتملاً علي ما فيه من هداية وعلي شيء من الوحي القديم (صحف إبراهيم. النجم/ 0037، الأعلى/ 8- 19).

ثانياً : مهيمناً على ما قبله، بمعنى أنه شاهد له بالصدق والثبات وضامن له البقاء.

ثالثاً: واضعاً لمنهج جديد في المعرفة بوجود الله والإيمان، به، وذلك هو من منهج استعمال العقل في النظر إلى هذا الكون وفهم ما جاء به القرآن من حقائق العلم والإيمان وإقامة الأزلي الكافي للتصديق بها، كما سنري فيما يلي : ـ

وفي القرآن بيان مكانه بين الكتب المنزلة قبله، وكانت بين يدي أهلها، وذلك، على الـترتيب التالي:
( إنا أنزلنا التوراة فيها هدي ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون وقفينا على ءاثارهم بعيسي أبن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراه وءاتينه الإنجيل فيه هدي ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدي وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواء هم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمه وحدة ولكن ليبلوكم فى ماءاتكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) ( المائدة /44 ـ 48 ) .

وقد ترتب على ذلك كلام طويل مع أهل الكتب المنزلة قبل، القرآن.

على أن القرآن يتجه إلى جمع كلمة المؤمنين بالله، وذلك بأن يبرز خصوصاً ملة إبراهيم التي يعترف بها الجميع، ويعظم شأنها ، لما فيها من التوحيد الخالص لله والامتثال التام لأمره، ويوصي باتباعها (مثلا البقرة/ 124 -/137، آل عمران/ 95، النحل/123)،هذا، وشخصية إبراهيم في القرآن تمثل لنا المفكر والمجاهد والصابر والمتحدى، كما سنرى في الكلام عنه فيما يلي.

والقرآن باعتباره الوحي النهائي موجه إلى الإنسانية كلها، فهو أولاً يخاطب أهل الكتب السابقة ليرفع ما بينهم من خلاف (المائدة/ 15- 16، النحل/ 64)، وهو يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الإيمان به، لأنه مصدق لما معهم، وليكون موقفهم منه بعيداً على التناقض،ونظراً للخلاف بينهم فإنه يدعوهم إلي جوهر الدين والإيمان وهو التوحيد الخالص:
( قل يا أهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) آل عمران /64 )

ثم هو موجه إلى البشر جميعاً :
( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فأمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) ( الأعراف /158 ) .
( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .( سبأ /28 )
( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيرا ) ( الفرقان /1 ) .

ونظرا لأن حكمة الله قد اقتضت أن يكون الناس، كما سنرى، عقلاء أحراراً ومسؤولين عما يتبعونه من دين، وأنت أيضاً بأن يختلفوا في ذلك، فإن القرآن يؤكد أنه ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها والله سميع عليم ) ( البقرة /256 ) .

ولذلك فإن الإسلام في أثناء تبليغ دعوته للعالمين لم يكره أهل الكتاب علي، الدخول فيه، وإنما كان يقاتل من يقاوم تبليغ رسالته لكي يعرفها الناس، وبعد ذلك فإن القرآن في يقول: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ....) ( الكهف /29 ) .

وسنري موقف القرآن من أهل الكتاب الذين اختلفوا فيما بينهم ، وأنهم عندما يختلفون مع الرسول ، فإن الله يأمره بالا يتبع المنكرين الذين اختلفوا ، عدوانا بعضهم على بعض، ويأمره بقوله :

( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ءامنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير )( الشورى /15 ) .

والقرآن يترك الله ان يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ( إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله على كل شيء شهيد ) ( الحج /17 ) .

والقرآن يطمئن كل المؤمنين بالله واليوم الآخر، وذلك بقوله:
( إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن بالله واليوم الآخر وعمل صلحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )( البقرة /62 ) .

وفي مواجهة المنكرين لرسالة الإسلام فإن الله يأمر رسوله أن يقول لهم ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) ( الأحقاف /9 ) .

( أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين ءامنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لسحر مبين ) ( يونس /2 ) .

( ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفي بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتب ) ( الرعد /43 ).

و"علم الكتاب " هو العلم بجملة الكتب المنزلة، والرسول يستشهد علي صدقة بعلم المتخصص في دراسة تلك الكتاب، ومن يدرس القرآن بعقل متحرر لابد أن يتبين أن جوهر الوحي الإلهي واحد، وأنه كله موجود في القرآن ومحدد بكل وضوح ومعه أدلته.

مرحلة جديدة ومنهج جديد في الإيمان والوصول إليه.
يمثل القرآن الكريم مرحلة جديدة في المعرفة الدينية، لأنه جاء "تعليما" الرحمن علم القرآن (الرحمن / ا- 2)، وجاء يبني الإيمان بالله على التفكير والعلم: (فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ( محمد /19 ) .

والباحث في تاريخ الدين المنزل قبل مجيء الإسلام يمكنه القول بوجه عام إن العقيدة الدينية كان تؤخذ عن الآباء، وهؤلاء عمن سبقهم من الأنبياء الذين تلقوها عن الله تعالى، وكذلك كان عامة الناس بعد أن تطول الفترة بين رسالتين يقولون دائماً إنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم.

ولم يكن هناك تعليم نظري مع "كتابة" العلم الذي يأتي به الوحي الإلهي ومع قراءته ودراسته وإثارة الأسئلة. وكذلك لم يكن كل هناك منهج ظاهر ومرسوم لتحصيل العلم بالدين، ولا كان هناك بيان محدد، لمكان الإنسان في خطة الوجود ولا لرسالته الإيمانية الحضارية في الأرض، علي أساس من العلم والمعرفة.

وإذا كان قد جاء في القرآن أن بعض الرسل الأولين وجهوا عقول
المنكرين لرسا لاتهم وما فيها من الإيمان بالله بقوله ( أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ) ( إبراهيم /10 )، فإن ذلك كان شيئا إجمالياً ، وكأنة تنبيه إلى استعمال الحواس والعقل على نحو طبيعي لا تكلف فيه .

فلما جاء الإسلام يبلغ الناس بوجود الإله الواحد الحق فإنه، في الوقت نفسه، من أول الأمر وبعد ذلك على نحو مستمر، وجه عقولهم. إلى تأمل هذا الكون في جملته وتفاصيله، لكي يلاحظوا ما فيه من آثار القدرة والحكمة والنظام والقانون في الطبيعة وظاهراتها، ولكي يتأملوا الإنسان أيضاً، كما يشعرون به في أنفسهم وكيانهم وتكوينهم وكل أسرار تحيط بهم، وسنرى ذلك فيما بعد، ولكي يروا كيف أن الكون الذي يشاهدونه بسماواته وأرضه مسخر لهم، وملائم لحياتهم وحياة غيرهم من أمم الحيوان على الأرض. ( إبراهيم/32
-3 3 ، الجاثية/ 12- 13، طه/53- 54، عبس/ 24- 32، فصلت/53، الجاثية/ 3- 4،الداريات/ 20- 21 ) .

القرآن بديل للمعجزة:
وإذن، فإنه بمجيء القرآن كان عصر المعجزة على مستوى خرق المجرى العادي للطبيعة قد انتهى، وحل محلها العقل وأدلته، ومن هنا يحض القرآن على، تدبر آياته لكي يضعها الإنسان بازاء آيات الكون (النساء/82، ص/ 29، محمد/ 24). والقرآن بما فيه من آيات، كما يقول، قد جاء (لقوم يعقلون) (1) و(يتفكرون ) (2) و(يؤمنون ) (3) و(يوقنون ) (4)، وهو (ءايت بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) ( العنكبوت /49 ) .

وقد طلب المنكرون من الرسول عليه الصلاة والسلام: أن يأتيهم بآية كما جاء بها من سبقه من الرسل (الأنبياء / 5) بل هم اقترحوا عليه خوارق عجيبة معقدة ذكرها القرآن، فأمره الله أن يقول لهم: (قل سبحان ربي هل كنت إلإ بشرا رسولا)(الإسراء/ 90- 93).

والله يقول في القرآن إنه لا يريد أن يقدم لمنكري رسالة الإسلام معجزة، لأنهم رغم ذلك ربما يكذبون أو يثيرون الشكوك (الأنعام / 4، 7، 109، الإسراء/ 29). كما يصرح بأنه يستطيع أن يقهر الناس على الإيمان ( الشعراء/ 1- 4)، لكنه كما منحهم العقل فإنه يريد منهم أن يستعملوه لأنه هو الحجة عليهم يوم الحساب.

والقرآن يدل قارئه على الطريق الموصل إلى الإيمان بالله وبصدق رسالة الإسلام وذلك بقوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ءايت من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكري لقوم يؤمنون ) (العنكبوت/ 50- 51) .

فالقرآن إذن هو البديل للمعجزة، والله في يأمر رسوله أن "يجاهد به "المنكرين " جهادا كبيرا " (الفرقان / 52)، وهذا يدخل في باب الكلام في إعجاز القرآن، وموضعه في باب آخر من هذا الكتاب، لكننا لا بد أن، نشير إلي الروح السارية في "الكتاب الحكيم "،
ولا يدركها إلا صاحب الروح السليمة والعقل المتحرر من التقليد والهوى والمستعد لتقبل العلم، كما لا بد لنا أن ننبه إلى أن القرآن اشتمل على الهداية المتكاملة التي لا يمكن لبشر أن يجمعها كما جمعها القرآن.، كما إننا نستطيع أن نخرج منه بنظرة شاملة للوجود،
و الكون والحياة ، بقدر ما نحتاج إليه.

ويجب على من يقرأ القرآن أن يتفطن خصوصاً إلى أنه جعل الإنسان يواجه، الكون ونظامه ويواجه نفسه بعقله وبقوانينه التي فطر عليها، بحيث لا يكون له مناص ولا مفر، إذا هو عرف معنى العقل وقوانينه وأحسن استعماله، من الإيمان بأمرين:

الأول: وجود الله الذي صنع هذا العالم فوضع الأزلي علي وجوده أمام المفكر بعد أن بين له المنهج.

والثاني: أن هذا القرآن من عند الله الذي صنع الكون والعقل وجمع بينهما ليدلا عليه، كل منهما بحسب طبيعته. وهذا يدخل أيضاً في باب الإعجاز العلمي للقرآن، وسنتناوله عند الكلام عن المعرفة وعن أدلة وجود الله وعن هذا الكون، بحسب القرآن.

وسيتبين للمفكر المتعمق أن حتمية دلالة الكون على صانعه موازية لحتمية دلالة صدق القرآن على الرسالة المحمدية، وأنه من. عند الله بإلي صدق كلامه عن الكون الذي صنعه الله فدل على وجوده.

وليس معنى هذا كله أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن مؤيدا بخوارق كثيرة معروفة وثابتة، وإنما المقصود أن تلك الخوارق، قد توارت في التاريخ ولا يراها أحد، أما القرآن فهو الباقي والشاهد على الدوام على نفسه وعلي، رسالة الإسلام.

وإن دراسة القرآن بالمعنى الكامل تنته بعد، رغم كل ما كتبه المفسرون، ولا ننسى أن التاريخ قد تغير، وأن الحضارة تطورت، وأن العلوم تقدمت تقدماً مذهلاً، وكشفت من أسرار التاريخ وأسرار الكون أموراً عجيبة، وكأن الفهم للقرآن كان ينتظر أن تنكشف لكي يستطيع قارئ القرآن أن يفهم آياته ويشعر بعظمة معانيها، إذا كان على علم بقوانين الحضارة والنتائج العلمية الصحيحة.

رسول أمي علمه الله ليعلم الأميين:

يدل التاريخ الديني والاجتماعي على أن العرب، وهم الأمة الأولى التي تلقت القرآن، كانوا في الغالبية العظمى على حال قريبة من الفطرة، أميين ليس، بينهم من يقرأ ويكتب إلا أفراد قلائل في المدن مثلا .

وأما التدين الذي كان عليه بعضهم في مكة، فإنه كان بقايا بسيطة من التوحيد الذي أسسه إبراهيم عليه السلام ومعها شيء من الشعائر والعادات، ولم تكن تحيط به حياة دينية بالمعنى الحق، ولا أي نوع من البحث النظري، وكان عامة العرب قد ورثوا عن آبائهم تقديس الأصنام، ومن، هنا نفهم المعني الكبير لقول القرآن: (هو الذي بعث في الأمين رسولا، منهم يتلوا عليهم ءايته ويزيكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ( الجمعه /2 وانظر الأعراف /158 ، العنكبوت/48 )

والرسول عليه الصلاة والسلام كان أمياً، فعلمه الله ، ليعلم الناس: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ) ( النساء /113 ) .

ومن هنا أيضاً نفهم أن القرآن كان بالنسبة لمن ظلوا عن، شيء من الدين تعليماً من الأساس لوضع أصول الإيمان الصحيح، وكان بالنسبة للذين وقفوا عند تراث الآباء وما فيه من وثنية نقداً شديداً في أكثر من آيه (البقرة/ 170، المائدة/ 104، هود/ 109). وإلى جانب ذلك نجد أشد التقريع لمن لا يستعملون ما وهبهم الله من وسائل تحصيل المعرفة (الأعراف/ 179).

وفي الحالين كان التعليم يسير على منهج واضح هو استعمال ملكات المعرفة الحسية والعقلية لكي تؤدي وظيفتها الطبيعية، وهي معرفة الحق، وخصوصاً الحق الأكبر، وهو "الحق المبين "، "الله رب العالمين ".
وكان إلى جانب ذلك في مقابل طريقة الذين لا يجتهدون في معرفة الحق ويقلدون غيرهم تأكيد مسؤولية الإنسان مما وهب الله له من الحواس والعقل( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) ( الإسراء /36 ) .

بعض مميزات القرآن
1- القرآن خطاب إلهي عام

كما أن الله تعالي خاطب أرواح بني آدم جميعاً قبل مجيئهم إلي الدنيا وأشهدهم على أنفسهم بربوبيته (الأعراف/ 172- 174) ، كما سنرى فيما بعد، فإنه خاطبهم في الدنيا على ألسنة رسله وأنبيائه، وقد اشتمل القرآن ،هو الهداية الإلهية النهائية- على الخطاب الموجه للبشر جميعاً، كما قدمنا القول.

" والكلام موجة مباشرة للرسول الذي هو المخاطب الأول، منذ أن أمره الله ، تعالي بقوله: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ( العلق / 1) ثم : " يا أيها الرسول " ، " ياأيها النبي " والخطاب موجه بعد ذلك للجميع : للمؤمنين : " ياأيها الذين آمنوا ) ، ( يا نساء النبي ) ، وللبشر جميعاً : ( يابني آدم ) ، ( يا أيها الناس ) ، وقد يخاطب " الإنسان " باعتباره رمز النوع : " يا أيها الإنسان فكان الخطاب غير مباشر لطوائف كثيرة.

لكن القرآن فيه خطاب متكرر لأهل الوحي السابق باعتبار أنه جاء مصدقاً ومكملاً لما عندهم: (يا أهل الكتاب )، وهذا خطاب عام ،( يابني إسرائيل ) ، وهذا خطاب خاص . والقرآن كما تكلم عن الكتب المنزلة قبله بالتقدير فإنه تكلم مع أهلها بالدعوة الهادئة الناصحة لهم بإخلاص ، لكنه تكلم بطريقة حاسمة مع الغلاة منهم : ( ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) (آل عمران/ 64) ( ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) (النساء/ 171، وانظر المائدة/77) .

وفي أثناء كل هذه الأساليب من الخطاب كان التعليم أو التنبيه يلقى للجميع مباشراً أو غير مباشر، وكان بالنسبة لأهل الكتاب يصحح الآراء أو المواقف (مثلاً الأعراف/ 65- 66) أو يشرح المسائل التي كانت موضع خلاف (المائدة/ 6 11- 7 1 1، مريم/ 6 1- 35،
آل عمران/33- 1 5).

2.- القرآن تعليم متدرج ومستمر: جاء "الكتاب الحكيم " تعليماً من البداية: آيات وسور تتلى على فترات فدخل على نحو مباشر في العقول وفي التطبيق العملي في أمور الدين والحياة ، وهو قد كان متدرجاً في تعليم الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام، لكي يستقر العلم في قلبه الشريف فيثبت في دعوته:

(وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان جمله واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) ( الفرقان /32 ) .

وكان التعليم شيئاً فشيئا للمخاطبين بالوحي، لكي يتوفر لديهم الوقت للفهم والتفكير والعمل وإثارة الأسئلة، وقد حدث ذلك بالفعل، وتساؤلاتهم العديدة، مذكورة في القرآن .

وكان القرآن أيضاً تعليماً مستمراً ومتكرراً، لا لمجرد التكرار بل على سبيل التأكيد الدائم للأصول الأساسية، وفي ذلك بلا شك تمكين الثقة في نفس الرسول صلي الله عليه وسلم وتقويته بصفة دائمة لكي يواجه المعارضة والإنكار، والحق أن الوحي كان دائم الوقوف إلى جانبه في مختلف الأزمات والمواقف (مثلا النحل/ 127، آل عمران/ 176، الأنعام / 33، الأحقاف/ 25 ).

وكان القرآن تعليماً مستمراً ومتكرراً يتوالى في تعليم الجماعات التي كان بعضها يعقب بعضا في اعتناق الإسلام، ومنها غير المقيم بصفة دائمة، بل كان يغيب، ثم يعود.

وكذلك كان التعليم قي الموضوع الواحد يتكرر ويزداد على فترات، فيحمل قوم منه شيئاً ويبلغون غيرهم، ثم يتكامل الكلام، ويستطيع كل قارىء للقرآن، كما هو الآن، أن يلتمس المعرفة في كل مسألة من المواضع الخاصة بها بفضل المعاجم الكثيرة في آيات القرآن وموضوعاته ومصطلحاته وكل ما اشتمل عليه من أحكام.

وكأن الله تعالي قد أراد بحكمته أن يراوح في التعليم بين تنويع الموضوعات وبين مراحل التعليم في الموضوع الواحد، وكان ذلك بمثابة دروس في الموضوع تتوالى على فترات، ويتم فيها الاستيعاب ويسهل التقبل من جديد ويشعر المخاطبون بلذة المعرفة، وهي تزداد وتتكامل، وتأتي في، بعض الأحيان بحسب الأحداث والمشكلات أو إجابة لتساؤلاتهم.

وقد كتب القرآن في أثناء نزوله وتمت قراءته والتفكر في آياته، وحفظ كما أنزل ،وكما رتبه الرسول عليه الصلاة والسلام ليكون صورة أصلية صادقة لمنهج التعليم النبوي، ولو أن القرآن تناولته بعد ذلك أيدي البشر بحسب طريقتهم لما بقيت له أصالته وروحه، وطريقته المتميزة، ومن يضع نفسه بخياله في عصر .

النبوة يدرك أنه عصر تعليم فريد في بابه، ولا نظير له في تاريخ الفلسفة أو العلم،والتعليم، ولا في تاريخ الأديان كلها، ويجب أن نعترف أن ذلك العصر لم يدرس من حيث تعليم الدين والفكر وأمور الحياة الدراسة الكافية.

والقرآن فريد في تأليفه، وهذا يتبين مما تقدم، فنحن لا نوجد أمامنا في القرآن كتاباً شبيهاً بمصنفات البشر التي يكتبونها لأغراضهم، وذلك لأنه كان بحسب، طبيعة الظروف وتبليغ الوحي في مجتمع متكامل يزداد كل يوم، نوعاً من التعليم الجماعي الذي لا نعرف له نظيراً، لكنه كان في جملته وبجميع موضوعاته موجهاً نحو تكوين النظرة الشاملة المتكاملة في أكبر مسائل الدين والفكر.

3- تحول طريقة التفكير واتجاه المعرفة
وهكذا يستطيع الباحث أن يلاحظ الفرق بين طريقة العرب في تصورهم للأشياء وكذلك نوع معارفهم قبل نزول القرآن وبعده، فقد كانت عندهم معارف متفرقة بظاهرات الطبيعة في السماء والجو، وبطبائع الحيوان وأمور الإنسان في أحواله البدنية والنفسية، إلى جانب ما كان، عندهم من مفهومات، إنسانية ومعايير للأخلاق والفضائل التي كانت هي الغالبة في تفكيرهم وشعورهم بأنفسهم، وقد شرحنا ذلك في كلامنا عن أثر القرآن في الحضارة الإنسانية.

وهنا يجب أن نلاحظ أن تلك المعارف كانت من جهة متفرقة لا تنتظمهما أحكام كلية، وكانت من جهة أخرى لأجل الحاجة إليها في أسباب، "المعيشة، ولم تكن "على طريق تعلم الحقائق ولا على سبيل التدرب في العلوم " وهذا ما قد لاحظه بحق أحد الذين درسوا معارف الأمم من علماء الإسلام، وهو صاعد بن أحمد الأندلسي (ت 462 هـ/ 1070 م) في كتابه "طبقات الأمم ".

فلما جاء القرآن حول اتجاه الفكر من الاهتمام بالأمور العملية ومن النظرات المتفرقة إلى البحث النظري والتوصل إلى أحكام كلية والاتجاه في تحصيل المعرفة إلى أنواع من الاستدلال الكبير الذي يوصل إلي العلم بمعناه الحقيقي، وكان ذلك في أهم المسائل التي دار حولها الفكر البشري واشتمل عليها القرآن كما سنرى.
وقد كان ذلك التفكير والاستدلال بالعقل على صورة ضمنية إجمالية، لكن بلغة الفكر الداخلية التي هي الأصل والمصدر لكل الصيغ اللفظية، وهذا ما لم يفطن إليه من درسوا إيمان المسلمين الأولين، وقد تحققت الغاية بحسب قوانين العقل الذي فطره الله عليها ولم يتعلمها من أحد.

ومن يدرس آيات القرآن في تكاملها في كل موضوع على حدة يجد معرفة متكاملة في كل شيء، وعند ذلك يتبين له كيف تألفت في العقول على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام النظرة الكافية في كل موضوع اشتمل عليه التعليم القرآني، ويتبين له أيضاً مدى عمق الإيمان في قلوب أولئك الذين تلقوا دعوة الإسلام وحملوها ومدى شدة حماستهم في الجهاد في سبيل الدعوة.
ثم إنه إذا كان ذلك كله قد تحقق على نحو تلقائي وإجمالي فإن الفكر تقدم بعد ذلك، وفي أثناء تطور الفكر الإسلامي في عصر الانفتاح على الفكر العالمي، ظهرت المفهومات ومعها مصطلحاتها، والمناهج ومعها قواعدها والآراء والمذاهب ومعها أدلتها، وتمثل ذلك التطور في أنواع العلوم الدينية والعقلية، ولا يزال كل شيء في ازدياد من حيث التفصيل، وكذلك لا تزال آيات القرآن تشرق معانيها في العقول مع زيادة المعرفة، وخصوصاً في مجال الدراسات الكونية والإنسانية والاجتماعية والحضارية.
4- القرآن كتاب شامل:
( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) (النحل/ 89).

قدمنا القول بأن القرآن قد اشتمل من حيث الجوهر على الدين كله، وهو إذا كان من جهة قد أحاط بكل "حق " في الديانات المنزلة قبله، فإنه من جهة أخرى كتاب شامل بكل معنى للشمول يمكن أن يتصوره الإنسان من موقعه في الكون وفي أمور حياته ومصدرها وقانونها ومصيره بعدها ".

ونحن عندما نقرأ ذلك الحكم العام المطلق الذي تضمنته الآية الكريمة، فلنلاحظ أن القرآن يذكرها في سياق معين، هو كلامه عن شيء قد لا يخطر على بال من جاءهم الوحي الإلهي، وذلك أن الله تعالي سيدعو الرسل ليشهدوا على أممهم بأنهم قد بلغوهم ما أمرهم الله به وبأن عليهم أن يبلغوا ذلك لمن بعدهم. وقد أراد القرآن أن ينبه أهل الديانات المنزلة إلي تلك المحاكمة التي تنتظرهم، وهم عنها غافلون.
ونجد مثل ذلك الحكم أيضاً في آيات أخرى وهي قوله: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء )
(الأنعام /38 )والآية تأتي في سياق التنبيه للغافلين الذين لا يدرسون ولم يعرفوا أن أنواع الحيوان أمم كالبشر، وأنها ستحشر يوم القيامة، وتحاسب ويقتص للمظلوم من ظالمة (1). والحق أن كثيراً من الناس يظنون أن الحيوانات لا عقل لها أو أنها وحوش يفترس بعضها بعضاً أو أنه يحق للإنسان ، أن يفعل بها ما يشاء، بلا عدالة لا بد أن تتحقق بالنسبة لعالم الحيوان وبلا حساب عما يصنعه الإنسان بالحيوان. وكلام القرآن هنا من شأنه أن يلفت نظر البشر إلي أنهم بفضل ما عندهم من العقل والمعرفة بالخير والشر أولى بأن يتمسكوا بالعدل وأن يبتعدوا عن الظلم بكل أنواعه، لأن وراءهم الحساب العسير على كل ما يفعلون.
وعلى كل حال فإن المفسرين للقرآن فهموا من الآيتين أن القرآن قد أحاط في أحكامه بكل شيء يخطر على البال، وذلك إما على سبيل الإجمال أو على سبيل التفصيل في بعض الأمور الكونية والإنسانية. وكان بعض المفسرين يوجهـون من يلتمس التفصيل في القرآن إلي أن يرجع للحديث الشريف والسنة النبوية وفيهما تفصيل للقرآن.

فلننظر في المسألة في ضوء كلام القرآن عن بعض الكتب المنزلة قبل ثم لننظر ماذا في آياته من أنواع الإشارات لأصناف الموجودات التي يراها الإنسان أو يخطر على باله أن يعرفها، وبعضها، وهو كثير جداً، لا ذكر له في الكتب المنزلة، قبله.

جاء في القرآن الكريم أن الله تعالى آتي موسى عليه السلام الكتاب( تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ) ( الأنعام /154 ) وأنه تعالي كتب له في الألواح ( من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء ) ( الأعراف /145 )

وفي القرآن أنه هو نفسه (تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) ( يوسف /111 ) ، وقوله بعد الإشارة إلى آيات الليل والنهار : ( ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ً ) ( الإسراء /12 ).

وإذن، ففي كل من الكتابين ذكر التفصيل ، وأول ما يتبادر للفهم أنه تفصيل في أمور الدين وتعاليمه والشريعة وأحكامها والحياة و نظامها، لكن القرآن بحكم أنه الهداية الإلهية المكملة وأنه ربط بين الإيمان والعلم والنظر في ملكوت السماوات والأرض، فلذلك أراد توسيع نطاق المعرفة، فتكلم عن أمور لا حصر لها، وتناول بكثير من إشاراته جوانب عديدة من هذا الكون الذي لا نعرف في الحقيقة إلا ظاهره، وهذا في حدود ما يسمى (عالم الشهادة) ، أي الذي تدركه حواسنا، ونبه إلى أسرار الأشياء وقوانينها، ما نبصر منها وما لا نبصر، وما نعلم وما لا نعلم ، (الحاقة/38- 39، يس/36)، وأشار كثيراً جداً إلى ما يسمى "عالم الغيب " بمعناه العام البعيد وبالمعنى الخاص الذي حولنا ولا ندركه، في الأرض التي نعيش عليها وفي السماء التي تراها أبصارنا:. " غيب السماوات والأرض " (مثلا، هود/ 123). كما أشار إلى أنواع من الموجودات العاقلة المغايرة لنا والمتنوعة في طبيعتها، من الجن والشياطين والملائكة " ولله جنود السماوات والأرض " (الفتح/ 4، 7)، (وما يعلم جنود ربك إلا هو ) (المدثر/ 31).

ومن جهة أخرى تناول القرآن مسائل العلم والمعرفة والمنهج وكل ما يتعلق بذلك من المفهومات، وتكلم، إلى جانب شرحه للعقيدة وأصولها وللشريعة وأحكامها الأساسية والتفصيلية، عن الموضوعات الكبرى التي دار حول الفكر الديني والعلمي والفلسفي والاجتماعي، وجعلها في الوقت نفسه مسائل بحث وتقبل الاعتراضات والتساؤلات حولها وأجاب عنها: الإله تعالي، الكون، الإنسان، القيم الكبرى من الحق والخير والجمال، والقيم الاجتماعية الإيجابية والسلبية، والأخلاق وقواعد المعاملة ،وآداب الحياة العملية من شتى جوانبها، وقوانين تغير الدول وزوال الحضارات ،وأخبار الأنبياء، وهنا أعطى صورة حقيقية لأعمالهم وصحح الكثير مما نسب إليهم في الكتب السابقة، وهذا كله فضلاً عن الكلام عما قبل هذا العالم، وعن تشكل هذا النظام الكوني في عملية كونية هائلة ومذهلة، نرى أدلتها وآثارها اليوم، بعد أن بدأت منذ زمان سحيق وأظهر العلم نتائجها.
ثم القرآن تكلم عما قبل الحياة وتكلم عما بعد الموت كلاما لا نجد له نظيراً في، الكتب الأخرى وأبرز معالم نهاية هذا العالم وما سيصحب ذلك من ظاهرات كونية مروعة، وتحدث عن عالم البعث والحشر والحساب، ومصير بني آدم في الحياة الأخرى بعد أن يحاسبوا على أعمالهم.

وبالجملة فإن القرآن فيما يتعلق بالعالم المحيط بالإنسان، وبالإنسان نفسه، قد تناول كل ما يقع تحت الحس أو يخطر للفكر أو يجري في داخل النفس، والكلام في هذا كله ليس في سياق كلام عابر بل هو أحكام مباشرة تنصب على الواقع وتصفه في ذاته من شتى الوجوه.

وفي "الكتاب المبين " مادة غزيرة حول كل الموضوعات الكبرى التي تكلم عنها، إلي جانب التفصيل في جزئيات كثيرة، وتلك إلي دة كافية، لتكوين جملة من الأحكام الكلية المتكاملة والأحكام الجزئية في وقت واحد.

والناظر في (الكتاب الحكيم) يلاحظ أن له طريقته في كلامه عن بعض المسائل الكبرى ، مثل كلامه عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وتدبيره لأمور مخلوقاته، وعن أفعال الإنسان وأفعال الطبيعة، فهو يتكلم عن ذلك من وجهتي نظر متكاملتين، بحيث يستطيع المفكر المتدبر أن يصل إلى التصور الذي يريده القرآن.

والقرآن نفسه لم يترك قارئه يتحير في فهم آياته، فأعطاه المفتاح لفهمها مفردة ومجتمعة، وهو يريد من قارئه أن يفهم المتشابه في ضوء المحكم، وبذلك يفسر بعض آياته ببعض.
ولا شك أن هناك حكمة كبيرة في قوله تعالى:
( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايت محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنه وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله ـ إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب )
( آل عمران /7 ) .
وقوله ( الر كتاب أحكمت ءايته ثم فصلت من لدن حيكم خبير ) ( هود/1 ) .

وليس من مرادنا أن نبحث مسألة المحكم والمتشابه في ذاتها ، وإنما نحب ، بحسب غرضنا هنا، أن يكون الوقوف في الآية عند قوله:
( والراسخون في العلم ) بحيث نفهم أن الراسخين في العلم هم الذين يعلمون تأويل المتشابه، وإلا كيف يكونون راسخين في العلم ،والعلم في القرآن يدل على العلم بالحقائق لا بالمظاهر- إذا لم يكونوا قد تدبروا القرآن كما أمرهم الله فيه، وتحققوا أنه ليس فيه اختلاف بين المحكم والمتشابه، لأنه كله من عند الله، وذلك رغم ما يتوهمه من لا يتدبر أو الناظر السطحي أو الغريب عن دراسة القرآن ، وخصوصا المغرض الذي يريد إثارة الشكوك حول (الكتاب الحكيم)، ويزعم أنه يوجد اختلاف، بل تعارض، بين آياته.
علم الإنسان بتأويل آيات القرآن إنما هو بقدر طاقته، وفهمه، وهذا هو المطلوب منه، أما علم الله بمراده فهو له وحده، ولا يجوز المقارنة بين علم الإنسان وعلم الله، لكن لا يصح أيضا ترك مشكلة المتشابه لتضل فيها الأفهام، وبسببها يطعن في القرآن بعض من لم يفهم طريقته.

وقد كانت مسألة المتشابه سبباً في مشكلة اختلفت فيها الآراء والمواقف، وهي إنما نشأت من النظرة الجزئية لآيات القرآن من غير جمع بينها.


نــوف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2005, 12:48 AM   #2
نــوف
رائحــة الـورد
 
الصورة الرمزية نــوف
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 2,902
افتراضي




القدرة الإلهية الشاملة وأفعال المخلوقات:
مسألة العلاقة بين الإيمان بقدرة الله تعالى المحيطة بكل مخلوقاته، وبين شعور الإنسان بقدرته واختياره لأفعاله، وهذه مشكلة لها علاقة بمسألة "القدر" التي سنتكلم عنها فيما بعد وشرح العلاقة بين فعل الله وما يبدو لنا أنه فعل الخليقة مستقلة بذاتها.

ولنبدأ بالقول أن القرآن في كلامه عن الله تعالى يثبت له صفات الربوبية وحقوقها المطلقة، فهو تعالي " خالق كل شيء "، (على كل شئ قدير)،( بيده ملكوت كل شيء) (يس/83). (مالك الملك )، (. فعال لما يريد )، (يخلق ما يشاء)، ( لا يسأل عما يفعل ) والقرآن يؤكد في الوقت نفسه عدل الله وحكمته وفضله العظيم: فهو (لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما ") ( النساء /40 ) والقرآن يقول في مواضع تخرج عن الحصر إن الله خلق كل شيء (بالحق )بكل ما لهذه الكلمة من معان متنوعة.
(وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقنهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون)
( الدخان /38 ـ 39 ) .

والله تعالى "كتب على نفسه الرحمة "، (الأنعام / 12)،: بمعنى أنها فيض لطفه بعباده وإحسانه إليهم، وهو " أحكم الحاكمين"، و " أرحم الراحمين "، " ذو الفضل العظيم ".

والقرآن في الوقت نفسه يذكر ما للمخلوقات من فاعلية أو تأثير بحسب ما فطرها الخالق عليه من طاقات و ملكات أو قدرات تصدر عنها أفعالها، وهذا لا يحتاج إلى ذكر شواهد، لأن ذلك، خصوصا بالنسبة للإنسان الذي هو عاقل قادر مختار ومسؤول عن أفعاله، أساس التكليف من قبل الله تعالى.

ونحن لكي نفهم ذلك يجب أولاً أن نعلم حقيقة مفهوم الألوهية في القرآن: الله الخالق ليس هو ما تخيله الفلاسفة قديماً وحديثاً، بل هو مبدع نظام المخلوقات، وهو: " الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى"، (الأعلى/ 2- 3)، وهو: " الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى "، (طه/ 50 ) ، أي أنه جعل لكل شيء " طبيعته وخواصه وما يمكن أن يصدر عنه من آثار وأفعال، وهو تعالى يمد الأشياء بالبقاء، وقد هيأ لها كل أمور وجودها ومجال فاعليتها، "وهي تستند في كل ذلك إليه.

وكما أنه تعالى " يمسك السماوات والأرض أن تزولا " ، (فاطر/ 41) فهو يمسك أيضاً كل ذرة فيها بقدرته، ولا يخرج شيء عن علمه وعنايته، ولولا الحفظ الإلهي لنظام الكون لغرق كله في بحر العدم دفعة واحدة، لا في زمان، وكل ذلك يصدق على الكائنات المزودة بالعقل والقدرة والاختيار وعلى الكائنات التي نعتبرها جمادات، مع أن في بعضها طاقة أو طاقات تفوق تصور العقل، لكنها تخضع في الوقت نفسه للحتمية الظاهرة في نظام الطبيعة.

فإذا كانت نسبة الإله تعالى لمخلوقاته، بحسب القرآن، أنه " الخالق الحافظ " وأنه " بكل شيء محيط " و"على كل شيء حفيظ " . فما هي نسبة المخلوقات وأفعالها إلى قدرته الشاملة؟. لنذكر هنا أولاً أن الأشياء، على الرغم من أن لها ذاتيتها وطبيعتها وفاعليتها كما تبدو لنا، إلا أنها بحكم استنادها إلي القدرة، لا يمكن أن تكون خارجة، لا في وجودها ولا فيما يترتب على ذلك من أفعالها، عن قدرة الخالق، وهذا ما يقتضيه المنطق السليم على أساس مفهوم الخلق والإبداع بالقدرة.

وإذا تصورنا الأشياء مستقلة عن دائرة القدرة فإن تصورنا لها وكلامنا عنها وعلمنا بها لا يتفق مع الحقيقة، أما إذا تصورناها في نطاق، النظام الكلى فإن كلامنا يكون صحيحا، وليس في ذلك إخراج لها عن مكانها في نطاق القدرة ولا إلغاء لطإئعها وأفعالها فيما بينها، وهذا هو الأساس لما نجده في القرآن عندما يتكلم عن أفعال الإنسان وعن أفعال الطبيعة.

يقول القرآن مثلا، مشيراً إلي الإنسان، "وقل الحق من ر بكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ، ( الكهف /29 ) . وهذا كلام واضح وصريح ، وهو صادق بالنسبة للإنسان، لأنه يؤكد له مشيئته التي يشعر بها في نفسه، لكن القرآن يقول في أكثر من موضع: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله "، (مثلا التكوير/ 29). وهذا واضح أيضاً وحق، لأن الإنسان نفسه، هو ومشيئته وظروف وجوده وفعله، كل ذلك في داخل النظام الذي وضعه الله في جملته وتفاصيله، ولا تناقض في ذلك.

والمقصود أن لا يغفل الإنسان، رغم وضعه البديع، وهو شعوره بقدرته الذاتية واختياره، عن أنه في داخل النظام الكلي، وأن نظام الأشياء بيد الله، وهذا هو معنى قوله تعالى:
(ولاتقولن لشاىء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله وأذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) (الكهف/ 23- 24).

والمعادلة صعبة التصور عند من لا يدركون ما يسمى "النظرة التركيبية"، فيتوهمون أن بين آيات القرآن تعارضاً، وهذا قد وقع من غير المسلمين، بل من بعض مفكري الإسلام الذين تصوروا وجود مشكلة أو نوع من الجبر والإكراه، مع أنه هو النظرة الصحيحة للأشياء وللعلاقة بين التدبير الإلهي المحيط وبين فاعلية المخلوقات.

أما التناقض فهو إنما يكون موجوداً إذا قيل: " من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر"، ثم قيل في الوقت نفسه: لا مشيئة للإنسان أصلاً- هذا هو التناقض، وليس له وجود في القرآن.

وكذلك يسند القرآن للطبيعة أفعالها، فيقول مثلا (وترى الأرض هـامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج " ، (الحج/5)، وكذلك يقول في حبة القمح مثلا التي توضع في الأرض " مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائه حبة .."،(البقرة/ 261)، وهذا هو الواقع الذي نشاهده، لكن هل الأرض أو الحبة أوجدت نفسها؟ وهل هي العامل الوحيد في الإنبات؟ وأين فعل العناصر الطبيعية، ومن أين لها طبائعها وقواها؟.

إن الأشياء كلها علل أو أسباب قريبة، وهي تترابط وتتسلسل إلى أن تنتهي إلى المصدر الأول لوجودها ونظامها، وهو الله تعالي .

وكذلك نجد في القرآن قوله: " فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا .... " ( عبس /24 ـ 28 ) .

وكذلك قوله:" وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ، حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ... ) ، ( النمل /60 ) .

وهكذا نلاحظ أن الإنبات يضاف أحياناً إلى فعل الأرض أو الحبة، وأحياناً إلى الخالق، وهو في الحالين صحيح، من وجهتي نظر.

وإذا أردنا أن نتكلم عن المسألة كلها بحسب طريقتنا الحديثة في التفكير والتعبير قلنا إن القرآن يتكلم عن المخلوقات مشيراً إلى العلة الأولي ،كما هو اصطلاح "الفلاسفة"، أو إلي "مسبب الأسباب "، كما يفضل "المتكلمون "، ثم إنه قد يتكلم مشيراً إلي الظاهرات بحسب ما نشاهده من فعلها، لكي نعرف طبائع الأشياء، فالنظرة الأولى فلسفية، والنظرة الثانية علمية، والجمع بينهما هو النظرة التي يجب علينا أن نتدبر القرآن بعقولنا لكي نستخلصها من آياته وتتبين لنا الحقيقة الكاملة.
ويمكن من جهة أخرى أن نقول إن القرآن يتكلم أحيانا بحسب المظهر، وهذا بالنسبة للإنسان، وأحياناً بحسب الحقيقة في نفسها، ومن المعلوم أن كل العلم وكل الفلسفة قد قام علي أساس التمييز بين المظاهر والحقائق، وكانت الحقائق على كل حال هي الهدف من العلم والفلسفة. "والحق " هو مدار القرآن الكريم، في كل مجالاته وبكل معانية.

ولقد كان يمكن لمن أرادوا فهم آيات القرآن التي تتعلق بذات الله وصفاته، أن ينظروا إليها بحسب ما شرحناه كما فعل بعضهم، وأن يضعوا كل الآيات التي توهم التشبيه لله بمخلوقاته في ضوء الآيات المحكمة التي لا خلاف في فهم معناها، مثل قوله تعالى: " ليس كمثله ، شيء وهو السميع البصير ، (الشورى/ 11) وأن يفهموا بعد ذلك قوله: " الرحمن على العرش استوي " ، (طه/5)، وقوله بالنسبة للذين بايعوا الرسول عليه الصلاة والسلام" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم "، (الفتح/ 10) وغير ذلك من آيات الصفات.

الأمر الإلهي، الإذن الإلهي: وفى القرآن الكريم مفهومات يمكن أن ندرك بعض جوانبها من النظر فى الآيات والاجتهاد في فهم بعضها في ضوء بعض ، من ذلك :

ا- الأمر الإلهي، من معانيه الكثيرة في القرآن: كل ما بينه الله لعباده من التكاليف الخاصة بأصول العقيدة وأحكام الشريعة ونظام الحياة في جملته، وكذلك تعلق قدرة الله بإبداع ما يريد: (إنا كل شيء خلقناه بقد وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " (القمر/ 49- 50).

والأمر الإلهي يشير إلى تدبير شؤون المخلوقات: (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" ( الأعراف /54 ) " يدبر الأمر من السماء إلى الأرض .... " (السجدة/ 5)، (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً " ،( الطلاق /12 ) .

ا- الإذن، الإلهي، وهو، كما يؤخذ من كثرة ذكره في القرآن، يشمل كل ما يحدث في العالم، وكأنه، والله أعلم، تفصيل التدبير الكلي، فلنقف عنده قليلا ونلاحظ أن القرآن لم يترك شيئاً إلا أدخله في مجال ذلك "الإذن ": تنزيل الوحي على قلب الرسول "بإذن الله " (البقرة/ 97)، إطاعة البشر للرسل وخروجهم من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، فعل الخيرات (ا لنساء/ 64. إبراهيم/ 1، فاطر/ 32، يونس/ 100)، خلود الأبرار في الجنة (إبراهيم/23)، معجزات الأنبياء، ومعجزات عيسى عليه السلام (الرعد/ 38، آل عمران/ 49)، النصر والهزيمة (البقرة/ 249، آل عمران/ 166)، المصائب والأضرار (التغابن/ البقرة"/102)، خدمة الجن والشياطين لسليمان عليه السلام (سبأ/12)، الشفاعة عند الله (البقرة/ 255) وبكل اختصار: الأحداث كلها، من أصغر ما
يقع إلى إمساك السماء لكي لا تقع على الأرض (الحج/65) كل ذلك بإذن الله.

ثم لنتدبر قوته تعالى عن الظاهرات التي ستصاحب نهاية هذا الكون وتبدله:

" إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت "(الانشقاق/ 1- 5).

إن على القارئ أن يتأمل كل ما ذكرناه ليفهم معنى قوله تعالي إن الأشياء تقع "بإذن الله " ، وهو يدل على ما تقدم من أن الله "أعطى كل شئ خلقة" أي طبيعته وفاعليته، لكن ذلك في داخل القدرة المحيطة بكل شيء، فهناك إذن فاعلية مع علاقة استناد المخلوقات في وجودها وإمكان فعلها إلى مشيئة خالقها.

ثم لنلاحظ قول القرآن إن السماء لما انشقت وكذلك الأرض لما "مدت " أي استوى سطحها فأصبحت جبالها مسواة بالأرض، "وأذنت لربها" ، " وحقت " فهنا سر رائع وتعبير عجيب، ومهما كانت آراء المفسرين التي علي القارئ اللبيب أن يرجع إليها، فإن من معاني قوله: (وأذنت لربها "، أنها بحكم كونها مخلوقة ومستندة إلى القدرة فإنها رغم طبيعتها وكيانها لا تستعصي على أمر الخالق وحكمه.
ومعنى قوله "وحقت" هو أنها حقيقة وجديرة بأن يسري عليها التدبير، لأنها في، نطاق القدرة.

وفيما ذكرناه مثال يبين نسبة المخلوق وفعله إلى خالقه وتدبيره، والله أعلم.

العلم والمعرفة

أثر القرآن في الحضارة الإنسانية تفصيل ذلك الأثر في أهم المظاهر في حياة الحضارة، أعني ازدهار الفكر كما يتمثل في العلم بفروعه والفلسفة في ميادينها الكبرى، وذلك أن القرآن هيأ لذلك كله ظروف النشأة والازدهار، أما هنا فالكلام في أمور عامة في العلم والمعرفة وعلاقة ذلك بالإيمان.

وإذا كان القرآن يأمر باستعمال العقل ويعظم "العلم " ويحض على طلبه فإنه لا يكفي القول بأن العلم من الدين، بل هو الدعامة التي يقوم عليها الدين والإيمان به، لأن الإنسان العاقل هو المخاطب بالتعليم الإلهي، "والعلم " عمل العقل، والدين لا يفهم إلا به،
ولا يمكن إقامة الحجة على صحة الوحي الإلهي وأنه من عند الله إلا بالعقل، ولا يقوم الإيمان بحقائق الدين إلا بالعلم والإلي والبرهان.

وبحسب القاعدة العامة، وهي ما أوجبه القرآن من تدبر آياته، استطاع العلماء أن يستنبطوا مفهوم "العلم " وأن يحددوه، وأنه يتعلق بالأحكام الخاصة بالحقائق التي يتصورها العقل ويمكن الوصول إليها بأدلته، لتكون أصول النظرة للأشياء، مثل حدوث هذا الكون وإثبات وجود الله وحقيقة الإنسان ومكانه في هذا العالم.

أما "المعرفة" فهي تتعلق بالأمور المحسوسة، من علامات ودلائل يمكن منها الاهتداء إلى وقائع وأحوال للأشياء أو التعرف على الأشخاص وما قد يكون في نفوسهم.

ولذلك فإن الآيات التي تنبه الإنسان إلى دراسة هذا الكون وما فيه للاستدلال على وجود صانعه تشير إلى أنها موجهة لقوم "يعقلون " أو "يتفكرون" أو "يعلمون " أو "يؤمنون " أو "يوقنون "..... ويستطيع من يشاء أن يتبين في هذه الألفاظ درجات أو مراحل للتفكير، بداية من ممارسة الوظيفة الفكرية إلى بلوغ نتائج استعمالها وما يترتب على ذلك من درجات "العلم والإيمان "، ولا نجد في القرآن أبداً التنبيه إلى النظر في نظام السماوات والأرض وأنه موجه لقوم "يعرفون ".

أما مفهوم "المعرفة" فإنه يمكن استخلاصه من آيات مثل، قوله تعالى في حق الأبرار السعداء في الآخرة: "تعرفهم فى وجوههم نضرة النعيم " " ( المطففون /24 ) ،أو فى حق الفقراء المتعففين : " تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافاً " ، ( البقرة /273 ) ، وقوله فى حق الجاحدين لدعوة الإسلام : " تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر " ،(الحج /72 ) .

ونجد في القرآن أن مفهوم "العلم " مرادف لمفهوم "الحق "، بمعنى "العلم الحق"، وكل منهما يقابل مفهوم "الظن " وهذا هو معنى قوله تعالي في حق "الدهرية" الذين ينكرون وجود الخالق وينسبون الأحداث في ظهور الحياة والموت إلى الدهر: "وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون " (الجاثية / 45)، وقوله في حق الجاحدين لوجود الله (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئاً " (يونس /36) وهنا مجال للمقارنة بين مصطلح القرآن والمصطلح الذي اهتدي إليه العقل الذي خلقه الله ، عند الفلاسفة والعلماء قديما وحديثا .

وإذا كان هدف الفكر هو الوصول إلى " العلم الحق " فإن منتهى ذلك إلى " اليقين " وهو ضد الظن ( الجاثية /32 ) ، واليقين إلى جانب ما فيه من وضوح في الفكر فيه نوع من التجربة النفسية في داخل الذات (النمل / 14)، وشيء يوصف بأنه "ما وقر في القلب "، أي استقر بحيث لا تزعزعه الشكوك والأوهام التي لا أساله لها.

ولليقين درجاته، وهذا قد استخرجه العلماء من استقراء آيات القرآن، فمن ذلك (علم اليقين "، وهو ما يكون عن إلي نظري، مثل إثبات وجود الله من النظر في هذا العالم وأن الله قادر على خلق الأحياء وعلى إحياء الموتى، ومنه "عين اليقين، "، وهو علم ذلك الشيء بالمعاينة التي يكون معها ثبات العلم في القلب، بحيث يهدأ ويطمئن، مثل سؤال إبراهيم عليه السلام أن يريه الله " كيف يحي الموتى ".، فأراه ذلك (البقرة/ 262)، ومنه "حق اليقين "، وهو أن يعاني الإنسان الشيء فيدركه في ذات نفسه، وذلك مثل الرجل الذي استبعد قدرة الله على البعث فأذاقه الله الموت بالفعل، ثم بعثه فعاش ذلك في كيانه، وأراه أيضاً بالمعاينة كيف تبعث قدرة الله الحياة في الكائن الحي الذي كان قد أدركه البلى، (البقرة/ 259).

هذه هي درجات اليقين من الناحية النظرية العامة، وهي مراتب حقيقية متمايزة. أما من حيث التفصيل في الحياة العادية للفكر فهناك يقينيات بعضها يقضي به العقل الذي خاطبه الله وبعث فيه الثقة بالوصول إلي المعرفة: من ذلك الأوليات البينة بنفسها، وقوانين عقلنا، وأنواع الاستدلال الذي يقوم على أسس صحيحة للوصول إلى أحكام صحيحة، وهذا ما يطالبنا به القرآن في آيات كثيرة (يونس/ 35، القلم/ 36، الصافات / 4 5 1، الجاثية / 21، الزمر/ 6 ، المائدة/ 75)، والقرآن ينبه المفكر لكي لا ينكص، بل يمضي في استخلاص النتائج من مقدماتها الصحيحة فلا ينحرف إلي الجدال على غير أساس : لقمان/ 20)، ولا يتعرض لتناقص في حكمه (ممثلا الأنبياء/ 66- 67، ا لصافات،/ 75).

مواقف القبول، الشك لأجل اليقين:
القرآن يثق في العقل ويأمره بأن يعمل، ويشير أيضا إلى الشكوك التي أحاطت بآراء السابقين أن أهل الأديان (النمل/ 66، الشورى/ 44، سبأ/ 54)، ولما كانت حقائق الإيمان قضايا مطروحة فإن الموقف من أول الأمر ليس موقف قبول بلا تفكير، والإلي على ذلك أن تبليغ دعوة الإسلام كان مقترناً بالدعوة إلي النظر في آيات هذا الكون في ضوء آيات القرآن ، وذلك قد يصل إلي حدود الشك لأجل اليقين.

ويروي عن الرسول عليه الصلاة والسلام، بمناسبة سؤال سيدنا إبراهيم عليه السلام الله أن يريه كيف يحي الموتى أنه قال: "نحن أولى بالشك من إبراهيم ". والشك هنا ليس في قدرة الله على الخلق والإحياء والإعادة بعد الموت، بل هو شك في معرفتنا بأسرار القدرة وطموح إلى معرفة كيفية فعلها.

ولذلك ظهر عند مفكري الإسلام ما يسمى "الشك المنهجي " منذ عصر مبكر مع نشأة علم أصول العقائد على يد المعتزلة، كما يرى الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين "، إلى أن صار الشك منهجاً مطلوباً، بسبب كثرة الآراء وتضاربها وضرورة بناء العقائد على أساس متين، وهذا ما نجده عند الغزالي (ت 5 50 / 11ام) (مثلا في آخر كتابه "ميزان العمل "، وذلك قبل ديكارت (ت 1650م) بأكثر من خمسة قرون).

مصادر المعرفة: بحسب ما جاء في القرآن من أن حكمة الله اقتضت أن يكون الإنسان خليفة في الأرض ليعمرها باسمه وإرشاده، فإنه تعالى أعده لذلك من قبل وخلقه " في أحسن تقويم " وهيأ لرسالته في الأرض، كما سنشرح ذلك في كلامنا عن الإنسان في القرآن، ثم إنه تعالي تولي الإنسان بالإرشاد والهداية من أول الأمر (البقرة/ 38، طه/ 123- 124)، وتوالت الرسالات الإلهية إلى بلوغ نهايتها في رسالة الإسلام.

والإنسان شأنه شأن كل كائن حي على الأرض، ظهر مزوداً بكل الوسائل اللازمة لحياته على كوكبه، وهو يزيد على غيره بملكة التفكير المبدع، على مستوى المعرفة بالكون وما فيه. والقرآن في أكثر من موضع يذكر الإنسان بما منحه الله من الحواس والعقل (المؤمنون/78، الملك/23)، ومن ذلك كله تتبين مصادر المعرفة للإنسان.

أولا: هناك مصادر فوق العادة:
* التعليم الإلهي على ألسنة الأنبياء، وهو"الوحي" الذي لا غنى عنه للإنسان كما سنشرح ذلك فيما بعد. والوحي في حقيقته علم، وهو بحسب القرآن إما أن يلقيه الله في قلب النبي فيعلمه في نفسه وأنه من عند الله،" على بينه " من ربه. أو يكون كلاماً بلغة إنسانية، فيسمعه النبي من غير أن يري المتكلم، أو يكون كلاما هو تعليم حقيقي بواسطة الملك المخصص لذلك .

" وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه على حكيم وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتب ولا الإيمان ولكن جعلنه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " ، ( الشورى/ 51 -52).

* " الإلهام "، لغير الأنبياء، وقد يسمى "العلم اللدني" أي الذي يأتي من عند الله مباشرة (الكهف / 65)، ويسمى عند الصوفية "الكشف " أو " الفتح "، وهم يصلون إليه بتزكية النفس فيعلمون حقائق لا يعرفها غيرهم.

*العلم المغروز الكامن في النفس البشرية قبل المجيء إلى الدنيا ، وهو علم بوجود الله (الأعراف/ 172-4 17)، ويمكن إماطة الحجاب عنه بتزكية النفس على منهاج الشريعة، وسنشرح ذلك فيما بعد.

ثانياً : مصدر عادي للإنسان بوجه علي ، والعلم هنا، مكتسب بوسائل المعرفة الحسية والعقلية، وكما أن البشر يعيشون في عالم واحد بوسائل واحدة فإن ذلك العلم مشترك بينهم.

والقرآن الكريم جعل من هذا الكون المحيط بالإنسان النقطة الأولى التي ينطلق منها الفكر بالاستدلال على وجود الله وقيد البشر بالنظر فيه بوسائلهم المشتركة لكي لا ينحرف تفكيرهم عن الطريق الطبيعي الذي لا يمكن أن يكون موضوع شك.

المنهج العلمي لتحصيل المعرفة:

اختلف الفلاسفة والعلماء في المعرفة:. هل في عقل الإنسان أفكار يولد مزوداً بها Innate Ideas ؟ وهل تحصل المعرفة بالحواس وإدراكاتها وحدها؟ أم بالعقل وحده، أم بهما معا- هذا معروف في بحوث الفلاسفة في المعرفة.

أما القرآن الكريم فهو يؤكد أمرين:
أولا: أن الإنسان يولد وهو لا يعلم شيئا عن هذا العالم، فعقله يشبه صحيفة غير منقوشة Tabula Rasa ليس فيها معرفة كما يعبر أنصار المذهب الحسي التجريبي في المعرفة.

ثانياً: أن الإنسان يحصل على المعرفة بواسطة حواسه وعقله معا.
( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون " (النحل/ 78).

ولما كان القرآن يريد إقامة الإيمان على العلم المكتسب بهذه الوسائل فإنه يحمل الإنسان مسئوليته عنها، وعن النتائج التي يتوصل إليها. وإذا كانت الآية الكريمة تشير إلى وجوب البعد عن تقليد الغير في آرائه فإن ذلك يوجب على المؤمن أن يعتمد على ما يعقله ويعلمه بنفسه، ويوجب عليه أيضاً أن يتعلم كيف،وعلى أي منهج يسير في تفكيره لكي يصل إلى الغاية المنشودة.

وهنا يجب أن نلاحظ أن القرآن يعيب الذين لا يبتدئون في نظرهم من دراسة الواقع لكي يستنتجوا منه، بل يجادلون في الله "بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" ، (الحج/ 8).
وكذلك يعيب القرآن أولئك الغافلين الذين لا يستعملون حواسهم وعقولهم ( الأعراف/ 179) والذين يسيرون بحواس وعقول مفتوحة، لكنهم يمرون بها على آيات السماوات والأرض، " وهم عنها معرضون "(يوسف /105).

أما مسؤولية الإنسان عن ملكات المعرفة فإن القرآن يؤكدها بقوله.
( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا "
( الإسراء/ 36 ) .

وفى أمور المعرفة ووسائلها نجد أن القرآن يخاطب العقل بلغة الواقع لا بلغة المفهومات المجردة التي قد يجادل فيها البعض، وقد أدرك بعض العلماء ذوي البصيرة طريقة القرآن وانتفعوا بها ، ومن أصدق كلامهم ما يقوله أبو الريحان محمد بن احمد البيروني ( ت 440 هـ / 1048 م ) من أن " القرآن لم ينطق فى أمر صورة السماء والأرض ، وفى كل شيء ضروري ، بما يحوج الى تعسف فى التأويل ، فهو الأشياء الضرورية معها حذو القذة بالقذة ولم يشتمل على ما اختلف عليه الناس وأيس من الوصول إليه " ( كتاب مقولات الهند ص 132 ) .

ونحن ، وإن كنا نوافق أبا الريحان بوجه عام إلا أننا نوصي بوجوب التأمل العميق فى لغة القرآن عند كلامه عن الكون لمعرفة الدلالة المباشرة ، وغير المباشرة ، والمستنبطة ، سواء فى اللفظ المفرد او في القضية والحكم ، وسنري شيئا من ذلك عندما نتكلم عن العالم فى القرآن ، فالواجب فهم الألفاظ بتطبيقها على وقائع الكون مباشرة ، مع الاجتهاد فى معرفة الوقائع معرفة صحيحة .

وبحكم طبيعة هذا المنهج الحسي ـ العقلي ، والحض المستمر فى القرآن على النظر " فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء " ( الأعراف /185 ) ، فإن علماء الإسلام ولاسيما المشتغلين بالعلوم الطبيعية والكونية ، وضعوا أصول المنهج الاستقرائي وفصلوها ن وأصحاب العلوم النظرية الذين آثروا المنهج العقلي الاستنباطي في بعض آرائهم ، كالفارابى وابن سينا ، لم يتجاهلوا منهج الاستقراء في جوانب من فلسفتهم بل إن من المشتغلين بالعلوم التاريخية والاجتماعية من أخذ بمنهج الملاحظة والاستقراء لاستخراج قوانين تغير الدول والحضارات ، كما نجد ذلك على صورة ممتازة عند ابن خلدون .

ثانياً - الموضوعات الكبرى
في القرآن الكريم
* العقائد.
* السماوات والأرض وما بينهما.
· السنة الإلهية في تغير الدول والحضارات.
· الحق والخير والجمال.
* أخبار الرسل والأنبياء:
- إبراهيم خليل الرحمن
- عيسى رسول الله وكلمته إلى مريم.

العقائد

في القرآن الكريم مادة غزيرة من المعرفة حول الموضوعات التي تناولها، ويستطيع من يشاء أن يؤلف منها نظرة كاملة في كل موضوع على حدة.

أولا: العقائد :
من يقرأ القرآن ويتدبر آياته يلاحظ أنه إذ جاء يبين العقائد فإنه قد حددها واضحة، وجعلها موضوعات بحث تقبل فيه الأسئلة بل الاعتراضات ثم يحسم الخلاف بإلي العقل وبراهينه.
فالذي يريد أن يدخل في الإسلام يشهد على نفسه بلسانه وفكره بأنه لا إلا الله وحدة لا شريك له وأن محمداً رسول الله، ثم يلتزم بالعبادات والواجبات التي فرضها القرآن: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج إلى بيت الله الحرام في مكة إن استطاع إلي ذلك سبيلا.

أما ما يعتقده المسلم من حقائق الإيمان فهو واضح تماما في أكثر من موضع، وجامع لحقائق الإيمان التي جاء بها الرسل جميعاً، خصوصا على أساس ملة إبراهيم الموحد الكامل الذي امتثل لأمر الله وأسلم له على يقين وصل إليه بفكره (البقرة/ 124 فما بعدها، الأنعام / 74-83، الصافات/ 101 فما بعدها).

وهذه هي أصول العقيدة.
"ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا إليك المصير " ( البقرة /285).

( قل ءامنا بالله وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " ( آل عمران /84 )

والقرآن يحدد موقفه الاعتقادي بالنسبة لأهل الكتاب منبها إياهم إلى " ملة إبراهيم " ، الذي يعترفون به جميعاً .
( وقالوا كونوا هودا أو نصاري تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسي وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " ، ( البقرة /135 /136 ) .

ونحن قد أشرنا فيما تقدم إلى دعوة القرآن أهل الكتاب إلي الأصل المشترك بينه وبينهم وجاء به جميع الرسل ، وهو التوحيد وتنقيته من كل شائبة ( آل عمران /64 ، الأنبياء /25 ) وإلى موقف المفكر المسلم إزاء موقف المخالفين من أهل الكتاب ، ( الشورى /15) .
والقرآن، في الوقت الذي ينقد أهل الغلو من أهل الكتاب أو المنحرفين منهم عما جاء به الوحي، يشيد بما للعلماء والأبرار من فضائل المحافظة علي ما عرفوا من "كتاب الله " (قوم موسى: المائدة / 44، الأعراف/ 159، وقوم عيسى. الحديد/27)، ويذكر علامات الإيمان والخشوع عند من اتبع الإسلام منهم فآمن على إيمان (الإسراء/107- 109).

وعلي أساس من تصديق القرآن لما قبله وعدم إكراه أهل الكتاب علي دخول الإسلام ، وبفضل ضمان حقوقهم وحريتهم وحمايتهم، ازدهرت حياتهم الدينية والعقلية، وأمكن أن يساهموا في كل مظاهر الحضارة الإسلامية، على نحو ما شرحناه في الكلام علي أثر القرآن في الحضارة الإنسانية.

الله تعالي :
لفظ الجلالة: "الله" هو "اسم العلم" الذي يسمى به الإله الواحد الحق، ولا يطلق علي،، غيره، خلافاً للفظ "إله " الذي هو لفظ كلي يطلق على كل ما جعله البشر موضوع تقديس، بحق أو بغير حق.

والله ليس، كما تخيله بعض الفلاسفة، علة رمزية لهذا العالم وليس لها فيه خلق ولا تدبير ولا عناية بأي معنى حقيقي لهذه الكلمات، ولا هو نوع من القوة المعنوية أو العقلية السارية في العالم. بل هو " خالق كل شيء "و " رب كل شي، ء " بتدبيره وعنايته " رب العالمين "، له كل صفات الكمال والجلال والجمال والإكرام " والإنعام ، " ليس كمثله شئ مع وهو السميع البصير " (الشورى / 11)، " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " ، ( الأنعام /102)،وهو"ارحم الراحمين " و " أحكم الحاكمين " ( يوسف /64 ، التين /8 ).
والقرآن ينظر إلى الكون وكل ما فيه وما وراءه من مخلوقات لأنهاية لها باعتبار أن ذلك كله صادر عن قدرة الله الذي أبرز الأشياء في الوجود، على غير مثال سبق أو من مادة أو في زمان أو مكان، وإنما كل ذلك فعله الإبداعي الأصيل الذي لا يعرف أحد كنهه
ولاكيفيته،لان أحدا لم يشهد خلق السماوات والأرض ولا يمكنه أن يتصور نوع الفعل الإلهي .

" ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا" (الكهف/ 51).

فالله تعالى أبدع الأشياء بقدرته ، على مقتضى إرادته وعلمه وحكمته، وأحاط بها علمه ووسعتها رحمته.(الأعراف/ 156، غافر/7)، " بيده ملكوت كل شيء"، (يس/83)، " له مقاليد السماوات والأرض " ( الزمر /63 ) " لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض " ( سبا /3 ) ، " بكل شيء عليم " ، حاضر لا نراه ومستور حجبنا عنه ، " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور "، ( غافر 19 ) ، " يعلم ما توسوس به النفوس " ،( ق /16 ) " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبه فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين " (الأنعام /59 )

والله على كل شئ "رقيب "، "شهيد"، "حفيظ "، "وكيل "، وهو حاضر دائما مع خلقه بالحفظ والعناية والرقابة. (... ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم..." ، (المجادلة / 7).

والقرآن يؤكد أن الإيمان بالله الواحد الحق وبكل صفاته التي أكدها له هو جوهر الدين الحق، فلا دين ولا إيمان بغير ذلك، والأدلة على وجود الله ووحدانيته موجودة في القرآن

أدلة القرآن على وجود الله :
لما جاء القرآن يدعو إلى الإيمان بالله لم يكن ذلك مجرد خبر أو موعظة، بل هو رسم الطريق لمعرفة الله. ومن كلام القرآن عن هذا العالم وما فيه من حجاج القرآن وجداله مع الجاحدين، وكذلك مما جاء فيه أن أخبار الأنبياء وما أشار إليه من موقف الإنسان بين الإيمان والكفر ،استخرج العلماء أنواعاً من الأدلة، وهي متمايزة ومنفصلة عن أدلة غيرهم من علماء أصول العقائد ومن الفلاسفة في الإسلام.

دليل الصنع والإتقان:
لما كان القرآن قد انفرد بين الكتب المنزلة بكلام شامل ومفصل أحيانا عن هذا الكون ونظامه وإحكام صنعه وعن خلق الإنسان وسائر الكائنات الحية، من شتى الوجوه فإن علماء الإسلام استخلصوا من ذلك كله دليلاً على وجود الله يسمى "دليل الصنع والإحكام " أو "دليل الإتقان "، اهتداء بقول الله تعالى عما خلق أنه "صنع الله الذي أتقن كل شئ "، (النمل/88)، وتفصيل هذا الدليل أخذ صورة "الدليل الغائي " Teleological Argument عند الفلاسفة، لأنه يبرز ما في هذا العالم من ارتباط الأشياء بعضها ببعض، بحيث يتألف منها نظام من وسائل وغايات ويصلح بها وجود "الكل " وحياة ما فيه من مخلوقات، خصوصا الإنسان، بحكم مكانه الرئيسي في هذا الكون الذي نراه.

ومن يتدبر آيات القرآن فإنه يستطيع أن يلاحظ منهجه في الإرشاد إلى طريق الدليل وقد نجده يضع قضية الإيمان تتم يتكلم مباشرة عن نظام الكون وينته العقل لكي يمارس وظيفته.
" وإلهكم إله وحد لا إله هو الرحمن الرحيم إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لأيات لقوم يعقلون " ( البقرة /163 ـ 164 ) . قارن أيضا السورة نفسها ( 21 ـ 24 ، وعبس /24 ـ 32 )

ولنلاحظ ما في الآية من تنوع الموضوعات وترابطها من أعم ما يمس نظام الكون فى جملته إلى موضوعات جزئية تمس حياة الإنسان .

وقد يذكر القرآن أولاً كثيراً من آيات الصنع ودلائل القدرة والعناية على مستوي نظام السماوات والأرض وحياة الإنسان ، وفى أثناء ذلك يأمر باستعمال ملكات المعرفة لكي يصل العقل إلى المقدمات إلى النتيجة لأنه بعد ذلك يقول " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ( الروم /17 ـ 30 )
وعلى أساس كلام القرآن عن الكون وعجائبه صاغ علماء الإسلام كالمطهر المقدسي فى كتابه " البدء والتاريخ " والكندي فى كتابه " الإبانة عن العلة الفاعلة …. " الدليل الغائي فى عبارات منفصلة يمكن ذكرها للمقارنة بإزاء ما كتبه علماء العقائد المسيحية ( توماس الاكويني ) والفلاسفة ( kant ) ، وهذا فضلاً عما ألفه علماء الإسلام من كتب مثل " الحكمة فى مخلوقات الله " للغزالي و " حياة الحيوان " للدميري .

دليل جدلي منطقي :

فى القرآن آيات قصيرة نجد فيها تحليلاً للمشكلة ، في مواجهة الجاحدين لوجود الله ، وهي قوله : " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون .... أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون " ( الطور /35 ـ 36 ، 43 ) .

وهذه هي الاحتمالات الممكنة :
ـ أن تكون هذه المخلوقات قد ظهرت في الوجود من غير علة ـ هذا يرفضه العقل .
ـ أن تكون المخلوقات أحدثت نفسها ـ هذا يرفضه العقل ، لما فيه من تناقض .
- لو فرضنا أن بعض المخلوقات أحدث بعضاً، فمن الذي أوجد نظام الكون كله بسماواته وأرضه وإذن، فلا بد من خالق حق.

تغير الأشياء ودلالته على وجود الله: في القرآن آيات كثيرة تتحدث عن إبراهيم عليه السلام، وتدل على أنه كان مفكراً يستعمل عقله ويجادل قومه الذين يعبدون الأصنام، ومن ذلك آيات، تحكي تأمله نظام السماء بحثاً عن إله، فيلاحظ أن أجرامها، من كواكب وقمر وشمس، كلها تظهر ثم تغيب، ولا ثبات لأحوالها، فلا يرضى بإله تتغير أحواله، ويرتفع فكره إلي تعليل نظام الكون في جملته فيقول. " إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين "
( الأنعام /74 ـ 79 ) .

استخرج العلماء من ذلك دليلاً على وجود الله سموه "طريق إبراهيم "، وهو يتلخص في أن تغير الأشياء يدل على حدوثها وضرورة وجود محدث لها يشبهها ولا يتغير. ونجد تطبيقاً لطريق إبراهيم على موضوعات أخري: تطور الإنسان وتنقله في مراحل الخلقة قبل أن يولد وفي مراحل العمر طول حياته، مع علمه بأنه لم يوجد نفسه، ولا يمكنه التحكم في تطور أحواله، مما يدل على خالق خلقه، وهو الذي وضع قانون وجوده، وهو الذي ينقله من حال إلي حال (كتاب اللمع.... لأبي الحسن الأشعري )، (ت 324 هـ/ 935 م)،

علي أن في محاجة إبراهيم لقومه نوعاً من دليل "المراهنة" الذي اشتهر في الجدال مع المنكرين منذ أيام الفيلسوف الفرنسي بسكال، Pascal(ت 1669 م)، ولهذا الدليل أمثلة عديدة في آيات القرآن وعند علماء مسلمين (بحث المستشرق الإسباني بلاثيوس في palacios حول سبق المسلمين لدليل المراهنة عند بسكال .

ولما أراد الجاحدون أن يجادلوا إبراهيم ويخوفوه من آلهتهم قال لهم" وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجت من نشاء إن ربك حكيم عليم ( الأنعام /81 ـ 83 ) .

دليل الاضطرار والافتقار:

علي أن في القرآن آيات كثيرة تتحدث عن حال الإنسان وشعوره عندما تحيط به الأخطار المهلكة في البر والبحر، فهو عند ذلك لا يلجأ إلى شيء مما يحيط به إلي من يؤمن في قرارة نفسه بأن في يده قوى الطبيعة. ولنلاحظ أن هنا ذلك الإيمان المتأصل في النفس ولا يظهر إلا عند الشدة وزوال أنواع الشكوك المتكلفة والمكابرة والغرور بالآراء الزائفة، فعند ذلك تتكشف الفطرة عما فيها إيمان بالخالق، وهذا الدليل يسمى "دليل الاضطرار والافتقار)، وقد أخذه العلماء من آيات القرآن، (يونس/2 1، الإسراء/66- 67، الروم/33، الزمر/ 8- 49). وللدليل صورة مفصلة عند المطهر المقدسي في كتابة الذي تقدم ذكره.

الموعظة، المراهنة الأمثال:

وفي القرآن آيات كثيرة تدعو إلى الإيمان بالموعظة الحسنة استخلص منها العلماء أدلة إقناعيه فيها شيء مسن التفكير المنطقي ومن روح "المراهنة" الذي تقدمت الإشارة إليه، نجد ذلك في غافر/28- 33، يس/ 0 2- 24.

أما "الأمثال " في القرآن فهي لغة خاصة لتقريب ما هو معنوي ومعقول إلى الفهم من طريق التعبير بما هو محسوس، وهي في القرآن كثيرة، ولها تأثير عظيم في الدعوة إلي الإيمان، فمنها ما يصور حال من يتخذ إلهاً من دون الله بأنه: " كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون " ( العنكبوت /41 ) .

والأمثال قد تصور أعمال الجاحدين لوجود الله بأنها، حتى لو كانت حسنه، تذهب هباء
لا يجدون بسبب جحودهم المتعمد من يجازيهم عليها، فهي ( كرماد اشتدت به الريح فى يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد " ، ( إبراهيم /18 ) ،أو تصف ما يرجونه من ورائها بأنه: " كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا " ، أو أن حياتهم وأعمالهم البعيدة عن الحق والخير والعدل " كظلمات فى بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور "( النور /39 ـ 40 )

هل يمكن أن يكون هذا المثل من وضع أحد في مكة ؟ إنه يصور عاصفة شتاء في محيط بعيد الغور في ليلة شتاء مظلمة، فأين خيال أي عربي، وهو في جزيرته، من تخيل هذه الصورة الهائلة الرائعة ؟


وقاري القرآن بعقل وروح متفتحة للحقائق إذا هو تدبر الآيات ودرس ما فيها حول نظام الكون وتأمل ما في القرآن من شريعة وأخلاق وآداب وطبقها علي أمور الحياة فإنه لا بد أن يؤمن بوجود الله وحكمته وأن يمتلئ قلبه بالرهبة والإجلال لله، ولذلك يقول الله عن كتابه الكريم:
( لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " (الحشر/ 21).

الحقيقة الإلهية وتعاليها فوق إدراك المخلوقات: إذا كان الله تعالى، بحسب محكم آيات القرآن "ليس كمثله شئ" (الشورى/ 11)، فهو متعال عن إدراك مخلوقاته، "ولا يحيطون به علما "، (طه/ 110)، وإنما يعرفونه بدلائل صنعه في الكون وفي أنفسهم، وبعد ذلك يجتهدون وتنزيهه ومعرفة صفاته بالاستدلال من مخلوقاته من غير تشبيه لصفاته بصفات المخلوقات. وهذا ما نجده في القرآن الكريم، فهو، حتى مع وجود السؤال والمناسبة، لا يتكلم عن "الماهية" الإلهية ولا عن ذات الله المنفردة بما هي عليه، أعني "الهوية"، أي عندما نسأل ونقول: من؟ لمعرفة ذاتية من نسأل عنه.

ففي، القرآن أن فرعون سأل موسى: " وما رب العالمين"؟، (الشعراء/23- 28)، ويسأله أيضاً: " فمن ربكما يموسى" ؟، (طه/ 49- 54). ففي الحالين كانت الإجابة بذكر دلائل الخلق والتدبير والعناية بالإنسان.

وعلى أساس هذه الآيات يتبين أنه لا سبيل إلى الكلام عن "حقيقة" ذات الله.تعالى، ولا عن " الهوية" أعني الحقيقة المخصوصة المتميزة له، ولذلك ذهب العلماء إلى أن ذات الله لايمكن إدراكها ولا تعريفها بالمعنى المنطقي، وإنما يمكن، بعد قيام الدليل على وجود الله ووحدانيته وتنزيهه، أن يكون الكلام عنه بذكر آيات صنعه المحكم واستنتاج ما يمكن من صفاته التي يدل عليها الصنع، ولكن صفاته أوسع بما لا يقاس مما ندركه نحن في عالمنا، لأنه أحد العوالم الكثيرة التي، خلقها الله.
ومن أجل هذا كله الذي تشهد به آيات القرآن (مثلا يونس/ ه، الرعد / 2،الروم / 40، 48، 54)،فإن الله تعالى بعد أن تعرف إلى عباده بما يشاهدونه " في الآفاق وفي أنفسهم ". عرفهم بما له من صفات الكمال والجلال التي لا تخطر على بالهم، ومن أمثلة ذلك قوله تعالي :
" الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنه ولانوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم(البقرة / 255).

وقوله :

" هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخلق الباريء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (الحشر 22/24).

وأسماء الله وصفاته في القرآن بما لا يقاس من صفاته في كل كتب الأديان أو الفلسفة، والقرآن يؤكدها دائما في فواصل آياته، ومنها استخلص العلماء "أسماء الله الحسنى"، والقرآن يرشد المؤمنين أن يدعوه بها، "ولله الأسماء الحسني فادعوه بها " (الأعراف/ 180

وقد شرح العلماء أسماء الله وصفاته وصنفوها أنواعاً من التصنيف علي أسس متنوعة:ما يخص ذات الله وما يخص علاقاته بالمخلوقات، ونحن لا نعرف أن أسمائه إلا ما تتسع له عقولنا، ولا شك أن له أسماء وصفات تليق بجلاله وكماله الذي لا نهاية له ، ولله (الاسم الأعظم " الذي يعرف به من يشاء من عباده.

إيمان الفطرة :
أشرنا فيما تقدم إلى أن الإيمان بالله فطرة أصلية، هو " فطرة الله التي فطر الناس عليها "، (الروم/ 30). وفي الحديث الصحيح أن " كل مولود يولد على الفطرة، أي على الإيمان بالله وتوحيده. " ثم إن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه....)، ولكن في القرآن آيات تدل على أن أرواح بني آدم عرفت خالقها في عالم سابق، وأن الإيمان به بمثابة "عهد" أو "ميثاق " أخذه الله على بني آدم وهم أرواح مجردة، وفي "عالم الذر"، كما يعبر العلماء، أي أشبه بذرات روحانية، وهذا هو قوله في القرآن:
" وإذ أخذ ربك من بنى ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون * وكذلك نفصل الأيات ولعلهم يرجعون " ( الأعراف /172 ـ 174 ) .

الآيات واضحة، فالله تعالى خاطب الأرواح، وهي بطبيعتها تعقل وتعي. وبصرف النظر عن تنوع آراء المفسرين فما كيفية ذلك الخطاب فإن الآيات تدل على أن الأرواح جميعاً أجابت وشهدت على أنفسها بالإيمان، عن معرفة مباشرة، وذلك بقولها: "بلى: شهدنا".

وفي الآيات إشارة إلى أن ذلك الإيمان ستغمره حجب الوجود في الدنيا وتأثير ثقافة المجتمع، وخصوصاً عدم التفكر في هذا العالم الذي هو الدليل على وجود الله"، وكذلك تشير الآيات إلي تأثير التقليد ومتابعة الآباء والأسلاف من غير تفكير، ولا ننسى أن القرآن في مواضع عديدة يحارب التقليد والجمود على آراء السلف، ويبعث العقول على التفكير المستقل (مثلا البقرة / 170، لقمان/ 21، 1لزخرف/ 22- 24).

والمهم أن الصوفية، وخصوصا الشعراء منهم، تنبهوا إلي ما تشير إليه الآيات، وأن الإيمان بالله كامن في أعمال النفس البشرية، فأرادوا إماطة الحجاب، عنه بتزكية النفس وإزالة مختلف الحجب، حتى تشعر الروح بذلك الإيمان مباشرة، وهم في ذلك لا يتجاهلون طريق المعرفة الاستدلالية من النظر في الكون، لكنهم أرادوا أن يكون الإيمان، بعد حكم العقل، ذوقاً للروح، وهم في أشعارهم يذكرون آية الميثاق. ومن ذلك قول الشاعر الفارسي سعيد الشيرازي (689 هـ/ 1291 م) يصف القوم وهم في ذكرهم لله تهتز أرواحهم بالإجابة عن سؤال " ألست بربكم"، وهذه ترجمة كلامه:

هم في ذكرهم للحق هاربون من الخلق سكارى من الساقي حتى أنهم أراقوا الشراب
"الست " من الأزل في آذانهم حتى أنهم وهم في وجدهم يقولون : بلي

ويري أحد علماء الصوفية ، وهو نجم الدين الكبرى في كتابة " فوائح الجمال وفواتح الجلال " أن المعرفة بالله تعالى مثل الخط المكتوب على لوح وقع عليه الغبار فاختفى، فإذا أزيل عنه الغبار ظهرت الكتابة. فإذا زكى الإنسان نفسه وطهر قلبه تجلت له تلك المعرفة الكامنة.

صفات الله: الوحدانية :
كانت آيات القرآن بما اشتملت عليه من كلام متنوع على ذات الله وصفاته وأفعاله سببا في أن البحث في ذلك تنوع وتشعب، ومن ذلك بحوث نظرية في الصفات الإلهية من حيث إنها أوصاف لها علاقة بالذات ،وذلك بقصد تحديد مفهوم الألوهية، عندما حدثت المواجهة بين مفهوم الألوهية والتوحيد في الإسلام وبين مختلف التصورات في المذاهب الدينية والفلسفية.

والمقام لا يتسع للدخول في تفاصيل الآراء التي يجدها من يشاء في كتب "علم أصول العقائد"، ونكتفي بتأكيد القول بأن الإيمان في الإسلام استقر على أن الله وأحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا يشاركه غيره في ذلك، ونظراً لوجود مذاهب دينية أو فلسفية تشوش التوحيد والتنزيه فإن القرآن عني بإثبات التوحيد في آيات صارت مصدراً للأدلة بحسب روحها العامة، وهي:
"لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون " ، ( الأنبياء /22 )

"ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم علي بعض سبحان الله عما يصفون "، (المؤمنون/ 91).

" قل لو كان معه ـ ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا " ، (الإسراء/ 42).

وهذه الآيات تدل بوضوح على أن القول بتعدد الآلهة يؤدي إلى فساد .





.
.
نــوف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2005, 02:30 AM   #3
نــوف
رائحــة الـورد
 
الصورة الرمزية نــوف
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 2,902
افتراضي


الجزء الثاني

نظام الكون، وبما أن النظام الكوني ثابت مترابط الأجزاء فإن هذا يدل علي وحدة القدرة التي أوجدت العالم وهي التي تحفظه وتدبره.

على أن علماء العقائد اجتهدوا في وضع دليل الوحدانية على صورة نظرية نجدها في كتبهم، كما أن فلاسفة الإسلام منذ أولهم، وهو الكندي ، أثبتوا الوحدانية على طريقتهم الفلسفية.

ولنلاحظ هنا أن العلم القديم كان يقول إن هذا العالم هوكل شيء، وإنه في داخل كرة متقفله تدور حول نفسها ومركزها الأرض، وكانت مظاهر وحدة العالم ونظامه واضحة، لكن ذلك التصور انهار من أساسه في العصور الحديثة، وظهرت نظريات في نشأة هذا العالم وتشكله، لكن العلم الذي نعرفه اليوم قد أثبت وحدة إلية التي يتألف منها هذا الكون، وأثبت وحدة قوانينه الكبرى ، وهذا يدل على وحدة القدرة التي أبدعته، وسنعرض لشيء من ذلك عند الكلام عن العالم في القرآن فيما يلي.

على أن في القرآن إلي جانب مفهوم التوحيد بمعنى "وحدانية الخالق "، و (وحدة نظام الخلق " أن الله وحده هو الخالق بالمعنى الحق وأن فعل الخلق الإبداعي هو الدليل على الألوهية.

" أفمن يخلق كمن لايخلق أفلا تذكرون "، (النحل/17 ) .
" أيشركون مالا يخلق شيئا وهم يخلقون "، (الأعراف/191).
" هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ضلال مبين "،( القمان/11).

وهناك التوحيد بمعني (وحدة التدبير الإلهي) التي أشرنا- إليها، والتوحيد بمعنى أن تكون حياة الإنسان كلها علي صلة بالله، فتكون أفعاله "في سبيل الله " و"ابتغاء مرضاة الله"، (النساء/ 114). وأن يكون أعظم المحبة لله ثم محبة غيره "في الله " أو لأنه ((من الله))، وأيضاً بمعنى رؤية الأشياء كلها في ضوء المعرفة بالله وشهود قدرته ورحمته، وحكمته في كل شئ، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.

وعلي أساس آيات القرآن تكلم العلماء في مراتب التوحيد، من التوحيد باللسان ، إلي التوحيد بالعقل والقلب ، إلي تصور أن الأشياء كلها صادرة عن الله، وأنه لاموجود إلا الله ومظاهر قدرته وعلمه وحكمته، بحيث لا يشهد الإنسان إلا أمراً واحداً وهذا يسمى "الفناء في التوحيد" (الغزالي في "الإحياء، كتاب، التوحيد").
المخلوقات كلها تعبد الله
الله تعالي "خلق كل شيء".، " رب العالمين "، " رب كل شيء "، (الإنعام / 164). وهو الذي يحفظة في الوجود ويرعاه ويهيىء له مكانه بين الأشياء ويعده لما أراده منه في خطة الخلق الشاملة وإذا كانت المخلوقات كلها تشهـد لله بالوجود والربوبية شهادة يتوصل إليها العقل الذي ينظر في المخلوقات ونظامها في الأرض والسماء فإن القرآن يذكر في آيات كثيرة إسلام الكائنات كلها وتسبيحها وسجودها لله، وبعض تلك الآيات تشير إلي كائنات عاقلة، بل أنواع من "الدواب " بالمعنى المفهوم على الأرض وموجودة في السماء، وها هي الآيات في ذلك كله: كله أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون"، (آل عمران/83).

" تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا " ( الإسراء /44 ).
"ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء " ( الحج /18 ) .
" ولله يسجد مافي السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لايستكبرون " ( النحل /49)
" وله من فى السماوات والأرض كلُُ له قنتون " ( الروم /26 ) .

الآيات واضحة، مهما تنوعت آراء المفسرين، لكن يبقى السؤال: هل الإسلام أو السجود والتسبيح لا يكون دائما إلا بالمعنى وعلى الصورة الإنسانية، بكلام أو حركة أو وضع مما نعرفه في العبادات؟ لا يصح أن ننظر في كل شيء بالقياس إلينا، لأن كل ماعرفناه عن أنواع المخلوقات ليس إلا مظهراً بقدر وسائلنا في الإدراك، أما الأعماق فهي بعيدة الغور، ويكفى أن نتصور أن الذرة إلمادية التي لم يدركها الإنسان ولم يعرفها إلا بالاستدلال تمثل عالما صغيراً يموج بالقوة، وقد تكون فيه أفلاك كثيرة تدور فيها جسيمات، تسمى إلكترونات، فلا يصح أن نعتقد أن كل أحوال المخلوقات وأفعالها لا يمكن أن تكون إلامن نوع ما عندنا .

ولذلك فإن بعض المفسرين فهموا من سلوك الكائنات بالتسبيح أو السجود أن ذلك ليس مجرد الدلالة التي يدركها العقل على وجود الله، وإنما ذلك كله بالمعني الحقيقي علي نحو يناسب كل كائن علي حدة، ويستدلون علي ذلك بقولة: "ولكن لاتفقهون تسبيحهم " ، فإذا كانت دلالة الأشياء علي وجود الله أمراً يدركه العقل فإن وراء ذلك أمراً آخر لا تدركه وسائلنا.

على أن السؤال عن معني سجود الكائنات الجمادية مثل ما في قولة تعالي "والنجم والشجر يسجدان "( الرحمن /6)، لا يخطر فقط للمفكر في عصرنا، لأنه خطر للأمير أحمد بن الخليفة العباسي المعتصم (ت 227 هـ / 842 م) فوجهة الأساتذه أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (ت حوالي 252 هـ / 866 م)، فأجاب عنة برسالة كتبها، وفيها شرح السجود في ضوء النظرة العلمية للعالم، وذلك أنه بين أن من معاني السجود الطاعة، فقال إن الأجرام السماوية، وكذلك كل المخلوقات، تؤدي وظيفتها في نظام الكون، بحساب إرادة بارئها، وهذه هي الطاعة أو السجود بالمعنى المجازي (رسالة في سجود الجرم الأقصى وطاعته لله عز وجل).

وإذا كنا نجد في القرآن قوله تعالى:" ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صفت كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون " ( النور /41 ) .

فإن الفارابي ( ت 339 هـ /950 م ) يقول فى كتابه " فصوص الحكم " " صلت السماء بدورانها والأرض برجحانها والماء بسيلانه،والمطر بهطلانه وقد تصلي له ولاتشعر ، ولذكر الله أكبر .

ولا نريد أن نذهب بالقاريء بعيداً، ولكن يكفي أن نعلم أن هذا الكون مملوء بالأسرار، وهي ليست وليدة الوهم، بل حقائق عميقة لا ندركها، وهي تدخل في مجال ((الغيب)) الذي تحدث عنه القرآن بمعناه العام.

على أن من الناس من يقول إنه يري الجن والملائكة ويسمع تسبيح الكائنات من نبات وحيوان، وهذا أمر خاص بأفراد، ولا يقتنع به الإنسان إلا بالتجربة.

الإيمان بالغيب
إدراكات الإنسان الحسية والعقلية هي في العادة محدودة ونسبية، على قدر عدد وسائلنا ومداها، فالحواس لا تنفذ في أعماق المحسوسات، والعقل في عمله يتعرض لتشويش الخيال عند الكثيرين من الناس، حتى في تصورات الفكر، ومقولاته فضلا عن أن هذه المقولات قد برزت في العقل من وجوده في هذالعالم الذي هو نوع من أنواع الموجودات التي لا عدد لها.

ولم ينشأ العلم ولا الفلسفة إلا بعد جهد جهيد بذله الفكر لكي ينفذ إلى ما وراء ما يحسه الإنسان أو يتخيله ويصل إلى ذلك المجهول المتواري ، سواء أكان في، صميم الواقع أم فيما وراءه، وبعبارة أخري يحاول الفكر أن يصل إلى اللامرئي أو اللامدرك ولو بالفكر، وهذا مجال " الغيب" الذي يتحدث عنه القرآن وعن الإيمان به. وإذا كان القرآن قد جاء بالحق فإنه ينبهنا إلى الحق كله ما ندركه منه، وما يتجاو حدود إدراكنا.

والحكمة في حديث القرآن عن " الغيب " أن الله تعالى يريد أن يوسع نطاق علم الإنسان ومعارفه في كل المجالات، وخصوصا أنه ينبه إلى حقائق كبري كانت قبل هذا العالم وهذه الحياة، من ذلك بدء خلق السموات والأرض وخلق الإنسان وإعداده لرسالته في الدنيا، والحساب والجزاء في حياة جديدة في عالم جديد بعد الموت، والذي يهمنا هو أنه توجد مخلوقات مشابهة أو مخالفة لنا، ووراء ذلك "غيب" استأثر الله بعلمه، كما قال، ثم " غيب الغيب "، هو الذي " ليس كمثله شيء ".

ونحن لكي نفهم معاني ألفاظ القرآن فإنه يجب علينا، بحسب قاعدة عامة أن نستقريء الألفاظ ونتدبر معانيها بحسب السياق . ولفظ " الغيب " يدل على أن منه ما هو معانيها بحسب السياق ولفظ " الغيب " يدل على أن منة ما هو حاضر يحيط بنا ولا ندركه، مع أنه قد يكون في متناول وسائلنا في الأرض أو بعيداً في السماء لا تنفذ إليه وسائلنا،. " غيب السماوات والأرض " (مثلا البقرة/ 33)، وأنه ما قد تواري في التاريخ من أنباء الرسل وغيرهم (هود/ 49، 100، 120، يوسف/ 102، طه/ 99). لكن المهم هو ماوراء عالم الحس جملة، وأول ذلك أمر الكائنات التي تؤلف عوالم، منها في القرآن: "عالم الجن "، "عالم الملائكة"، بين أصناف كثيرة من الكائنات تدخل تحت مفهوم لفظ " العالمين " الذي نجده كثيراً جداً في القرآن .

عالم الجن:
أما الجن فهم كائنات من طبيعة خاصة، خلقوا " من مارج من نار " (الرحمن/ 15)، "والجان خلقناه من قبل من نار السموم " (الحجر/27)، وكان خلقهم قبل خلق الإنسان، لا تدركهم أبصارنا، ولهم طاقات عظيمة وقدرات علي التشكل في صور حسية، إلى جانب أنهم عقلاء مكلفون كالإنسان بالأوامر والنواهي الإلهية. وقد تحدث القرآن عنهم أحاديث شائقة، وخاطبهم مع البشر، " يامعشر الجن والإنس" (مثلا الأنعام/ 130). ومنهم من كان في خدمة بعض الأنبياء، سليمان عليه السلام (النمل/17، 36، سبأ/2 1، 4 1)، ومنهم المؤمنون ومنهم الكافرون، ومنهم من عرف دعوة الإسلام واستمع إلي القرآن وآمن وتحدث عما سمع وعبر عن إيمانة ومعرفته بما كان قبل الإسلام ، ( الأحقاف/ 29، سورة الجن ).

عالم الملائكة
والإيمان بالملائكة أيضاً أصل اعتقادي ، وهم ذوات " نورانية"، كما يعبر البعض، ويعرفهم العلماء بأنهم "ذوات روحانية عاقلة ومطيعة بطبعها لله تعالى" (الكشاف للتهانوي)، ولهم قدرات كبيرة وحياة شعورية، لكن طبيعتهم لا تدخل فيها نوازع الإرادة الذاتية ولا الشهوات، ولهم قدرة على التشكل في صور محسوسة تبدو للإنسان.

واستقراء آيات القرآن يدل على أنواعهم ودرجاتهم ووظائفهم وأعمالهم في عالمهم " يسبحون اليل والنهار لايفترون " ، ( الأنبياء /20 ) ، ومنهم " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم " ( غافر /7 ) ، ومنهم فى عالمنا من يتولون ، بأمر ربهم تدبير بعض أمور الكون أو يقفون إلى جانب المؤمنين يثبتونهم في مواطن الجهاد في سبيل الله، ( الأنفال/12)، هذا إلى رقابتهم على أعمال الإنسان وأقواله، (الزخرف/ 80، ق/ 16- 18) وتولي أموره بعد الموت، وحضور الحساب والجزاء، إلى ظهورهم بعد تمامه كما صوره القرآن بقوله." وتري الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العلمين " ( الزمر /75 ) .

والمسلم يؤمن بوجود هذه المخلوقات على أساس ماجاء في التعليم الإلهي، لكن يصعب على الإنسان بسبب ملابسته لعالم المادة أن يتصور كائنات، غير مادية تتشكل في صور حسية، لكن ((عالم الشهادة)) الذي نعيش فيه يشير إلي إمكان ذلك، ويفتح المجال أمام تصور ما وراء المحسوسات، والانسان يلاحظ أن " عالم الشهادة" الذي نعيش فيه مملوء بأنواع التشكلات ،فالجمادات مثلا تتشكل وتتنوع طبائعها بتأثير عوامل خارجة عنها، ومعروف في تاريخ عناصر الطبيعة، وكذلك الكائنات الحية من نبات وحيوان تتشكل بقوة كامنة بداخلها، تبني لنفسها كياناً من مواد العالم المحيط بها وتتصور بصور لاحصر لها فى التنوع والجمال .

أما الجان أو الملك فهو يتشكل بشيء موجود في طبيعتة، ولا عجب في ذلك لأنة إكمال لدرجات التشكل التي للمخلوقات، وبها تصل السلسلة إلى ذرويها بحسب عالمنا ومانعرف فيه وفي عالم بعده.

وعلي كل حال فإن القرآن يحدثنا عن جنود سليمان عليه السلام من الجن والطير الذين كانوا في خدمته، وقد علمه الله " منطق الطير " أي لغة الطير، بل هو استمع إلي لغة النمل، ولا معنى لأن ينكر الإنسان شيئاً من ذلك، لأن الحيوانات، بحسب القرآن، ليست كما نتصورها، بل هي "أمم " لها تفكيرها ولها وعي تدل عليه دلائل كثيرة، ووسائل للتواصل والتخاطب فيما بينها وكذلك لها لغتها، ولا مانع من أن ينطقها الله بلغة الإنسان، وهذا من الأمور التي تتسع لها القدرة الإلهية.

ويبقى السؤال: هل في طاقة الحيوان أن يعرف ما يفعله البشر فينقل مثلا إلي سليمان ما رآه من الاطلاع، علي أحوال ملكة سبأ، كما فعل الهدهد ،(النمل/18-24).


ومهما كان الأمر فإن بعض أصحاب المواهب يقولون إنهم يرون الجن أو يتعاملون معهم، ومن كبار الصوفية والعباد من يرون الملائكة ويتحدثون إليهم، ومنهم من يسمع ويفهم تسبيح الكائنات من نبات وحيوان. (والله أعلم) .

الإيمان ، باليوم الآخر.
يمكن القول أن مدة حياة هذا الكون الذي نعيش فيه يوم من الأيام التي عند الله ولايعرف مقاديرها إلا هو، والقرآن يحدثنا عما قبل هذا العالم وما بعده، لكي يكمل نظام المعرفة بقدر ما تستطيع أن تتصورها عقولنا، لكن الكلام في ذلك يجب أن يفهم لا بحسب معاني الألفاظ بالنسبة لنا في عالمنا، بل بحسب ما يناسب عالما تختلف طبيعته في عالمنا.

والقرآن يؤكد أن الله قد خلق كل شيء "بالحق "، ولكل شيء "أجل مسمي"، وهو مدة وجوده التي لا يتعداها. وبعض الفلاسفة تصوروا أن هذا الكون أزلى أبدي ، أو تخيلوا قبله مادة أزلية أبدية، أما القرآن فهو يؤكد أن كل ما عد الله فهوخلقه وإبداعه.

وإذا كان الله يفعل بقدرته ما يشاء فإن الحكمة هي قاعدة للفعل الإلهي، فلا خلل ولا عبث:" وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لايعلمون " (الدخان /38 ـ 39 )، ومنطق الحكمة الإلهية من وجود الإنسان في الأرض بما له من عقل وقدرة وإرادة واختيار، وبما جاءه من الهدايات الإلهية، يقتضي أن يكون بعد أيام السموات والأرض يوم يتبدل فيه النظام كله" يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبروزا لله الواحد القهار
( (إبراهيم/ 48).

فى ذلك اليوم تتم الحكمة من وجود الإنسان وتكليفه، بأن يحاسبه الله ويجازيه بحسب ماعمل من خير وشر.

ويسمى هذا اليوم في القرآن بأسماء عديدة، بحسب الاعتبار: "يوم القيامة "، " يوم البعث"، "يوم الحشر"، "يوم الدين "، "يوم الحساب" ، " يوم الحسرة"، أي حسرة الكافرين والمفسدين على ما فرطوا، "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه "، "يوم الخلود".

ويتميز كلام القرآن عن ذلك اليوم، الذي هو"قيام الساعة" بمميزات كثيرة وتفاصيل لا نجدها في كتب الأديان السابقة، إلا شيئاً يسيراً في بعض الأناجيل، "والساعة" ستأتي ((بغتة)، ((كلمح البصر)) أو أقرب من ذلك (النحل/ 77)، وستصحب ذلك اليوم أحداث كونية هائلة ومروعة وصفها القرآن. (( ينشق النظام السماوي، تتكور الشمس، تنكدر النجوم وتنتثر الكواكب، تحمر السماء، وتأتي بدخان مبين، تتزلزل الأرض، وتحمل بما عليها من جبال وتدك "دكة واحدة" فتصبح الجبال هباء منبثا في الفضاء.

وقد يتخيل من لا يتدبر آيات القرآن، ولم يعلم كيف تشكل هذا العالم، أن ما يقوله القرآن عن أحوال الساعة "نوع من الترهيب للبشر لكي يقبلوا على الإيمان "، لكن تبدل نظام هذا البناء الكوني العظيم المتمالسك بقوى كبري وتحكمه قوانين ثابتة، لا بد أن تصاحبه ضربة كونية هائلة، ولذلك توصف الساعة في القرآن بألفاظ لا نعرفها في كتب الأديان، ولها دلالتها: ((القارعة"، "الصاخة"، "الغاشية"، "الطامة الكبري "، لكنها ستجيء بحسب قانون عظيم من قوانين الصنع الإلهي الذي لا يصح أن ننظر إليه من زاوية أحاسيسنا بالخوف والضعف، بل من زاوية الإجلال والإعجاب بحدث كوني يقع بحسب قوانين القدرة والحكمة معا، ولذلك فإن " الساعة " تسمى ((الحاقة))، أي التي لا بد أن تأتي وتتحقق وفيها تجري الأمور (( بالحق))، ويكون الحكم في أى أعمال العباد "بالحق ".

وعندكما يقرأ المسلم أو غيره آيات قيام الساعة يجب عليه أن يسأل العلماء المتخصصين في العلم بهذا الكون وكيف تشكل بشموسه الهـائلة ومجراته الكبري وبأي قوة انفتق ذلك "الرتق " الذي تحدث عنه القرآن، بحيث أخذت أجزاؤه الأبعاد الهائلة التي يعجز الخيال عن تصورها، وليتصور الحالة الأولى التي كان عليها تشكل ذلك الفتق، وما صحبه من ظاهرات شبيهة بما يحدثنا عنه القرآن عن ظاهات ((قيام الساعة" وسيتبين له أن ذلك كله يجري بحسب مبدأ واحد هو قول الله" يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فعلين "، (الأنبياء/ 104 ) .

الإيمان بالبعث للحساب والجزاء: هو أصل اعتقادي في الديانات الثلاث، وهو من "الغيب المقبل)) أو ما يسمى "السمعيات" أي التي أخبرنا بها الوحي وسمعناها منه، والإيمان بالبعث يترتب على الإيمان باليوم الآخر وتقتضيه اعتبارات العناية الإلهية والضرورات الأخلاقية ، للجزاء بحسب العمل في حياة مقبلة بعد هذه الحياة التي كانت بحسب القرآن دار ((تكليف "، ولم تكن عبثا: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لاترجعون ..." (المؤمنون/ 115).

وقد جاء تأكيد البعث كثيراً في القرآن ، والمقصود، كما يؤخذ محل آياته أنه بعث في أجساد، ومع أن القرآن لم ينص صراحة على أن البعث سيكون بذات الجسد الذي كان للإنسان عند الموت، إلا أن المؤمنين بالبعث الجسدي يحافظون على الجسد عند الموت ويودعونه الأرضي بمراسم محددة، " (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخري " ، (طه/55)، لكن بعض أهل الكتاب لا يراعون المحافظة على الأجساد ويحر قونها، "وهذا شيء شنيع حقا، لأن الجسد الآدمي ليس مجرد شيء بل كان أداة للنفس في هذه الدنيا لتؤدي به ما فرضه الله عليها.

والقرآن إذ يؤكد البعث يصور الخروج من القبور تصويراًحياً قوياً مؤثراً: ((الأرض ستنشق ، والقبور ستبعثر، ويخرج الناس منها أفواجاً مسرعين كأفواج الجراد المنتشر خاشعة أبصارهم، تغشاهم الذلة"، (ق / 44، الانفطار / 4، القمر / 7، المعارج/ 43- 44).

والقرآن يرد علي المشككين في البعث ردودا ًمتنوعة ، بحسب نوع السؤال ، وهو يأخذهم بالرفق البالغ والمنطق الهاديء، والأساس الذي يقوم عليه خطابه لهم هو أن يرجعوا الى التفكر في ((الخلق الأول)) أو ((النشأة الأولى )) للإنسان، وكيف بدأ وجوده وتطور: من "طين " نفخت فيه روح علوية، إلى مرحلة تحول جديد تمثل في حياة التناسل التي نحن عليها. ثم التقلب بعد ذلك في مراحل الحياة المتنوعة، إلي أن تنتهي بالموت، وبعده تكمل السلسلة بالبعث والجزاء (ص/ 71- 72، المؤمنون/ 12- 16). وقد نجد إلى جانب ذلك إشارة إلى ظاهرة الحياة وتجددها على مستوي الطبيعة (الحج/ 5- 7). والقرآن هنا يريد من الإنسان أن يقيس إمكان البعث لحياة أخرى على ما يعرفه من أمور حياته ومن الواقع الذي يحيط به.

وقد كانت الأسئلة كثيرة متنوعة ، والقرآن يذكرها ويجيب عنها، فإذا تساءل البعض: "من يعيدنا" ؟ ، جاء الجواب " قل الذى فطركم أول مرة " (الإسراء/ 51 ).
" وقالوا أءذا كنا عظما ورفاتاً أءنا لمبعوثون خلقا جديداً ، فجاء الجواب " أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم " ؟ ( الإسراء /98 ـ 99 ) .

ويقول الإنسان " أءذا مامت لسوف أخرج حيا ؟ والجواب " أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا " ؟ ( مريم / 66- 67).

" أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلي قادرين على أن نسوي بنانه " ( القيامه /3،4 ) ، وقد يسألون : " أءذا ضللنا فى الأرض أءنا لفي خلق جديد " ، ( السجده /10 ) أو " أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد"والجواب" قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ"(ق/3 ـ 4)

ولنذكر آيات اشتملت على المسألة بإيجاز، وهي قد استلفتت نظر المفسرين بل الفلاسفة، فذكرها الكندي في رسالة له لا إحصاء كتب أرسطو، ونظرا لما فيها من قصر العبارة وغزارة المعاني وإمكانيات الأدلة فإنه اقتبسها لتكون، مثلا للعلم النبوي وما يتميز به في مقابل علوم البشر العادية، كما نجدها في بحسب طريقة الفلاسفة وما فيها من بعد السبيل عن العقل العادي، وهذه هي الآيات:

"أو لم ير الإنسان إنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أو ليس الذى خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلي وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذى بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ( يس /77 ـ 83 ) .

لنلاحظ أن الآيات تذكر :
1ـ موقف الشك والتساؤل من حانب الإنسان وعدم تفطنه لكي ينظر في ذاته ليجد الدليل.
2- الجواب بأن القدرة التي ستبعث الموتي هي التي أوجدتهم من قبل.
3 ـ مثال من الطبيعة يقرب للشاك إمكان ظهور الشيء ( النار ) من شيء ( الشجر الأخضر ) يبدو أنه مضاد لطبيعة ذلك الشيء وتبعاً لذلك إمكان ظهور الحياة فى مادة الأجساد البالية .

4ـ النظر الى لمشكلة البعث فى إطار مسألة أكبر هي خلق الكوني بما فيه وأن الخلق والبعث جزء من ذلك النظام .

5ـ بيان نوع الفعل الإلهي وأنه إبداع يتميز عن أفعال المخلوقات .

6ـ تأكيد القدرة الإلهية المحيطة بكل شيء .

والقرآن في مضوع آخر يأمر باستقراء الطبيعة لنري كيف يبدأ ظهور مخلوقات بالقدرة، لكي لا يشك الإنسان في إمكان النشأة الأخرى: " قل سيروا في الأرص فانظرو كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشاة الأخرة إن الله علي كل شيءقدير"، (العنكبوت/ 20) .

على أنه يحسن أن نلاحظ أن القرآن لا يبين كيفية البعث، والحق أنه خلق جديد" ونحن لا نعرف كيف كان "الخلق الأول"، لأن معرفة "الكيف " لا تكون إلا بالمعاينة إذا كان عند الناظر وسيلة الإدراك المناسبة، والقرآن يقول:" ما أشهدتهم خلق السماوات ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا " ( الكهف /51 ) .

وسواء كان البعث بذات الجسد الذي مات عليه الإنسان أو بجسد مماثل بدليل قوله:" أن يخلق مثلهم "، فإن كلا من النشأة الأولى والنشأة الآخرة للإنسان حلقتان في سلسلة من صنع الله الذي يخلق عالماً بعد عالم، " الله يبدؤا الخلق ثم يعيده " ، ( مثلا الروم /11 ) .

ويحسن بالقارىء للقرآن، في الأمور الغيبية التي يتحدث عنها القرآن، أن يتفطن إلى أن "عالم الشهادة" الذي نعيش فيه ينطوي ، عندما نتعمق في أسراره، على تقريب كل ما يحدثنا الله عنه من علم الغيب إلى أذهاننا.

الإيمان بالقضاء والقدر: هو أصل اعتقادي في الديانات المنزلة: فكل ما يقع في العالم، سواء من أفعال البشر أو غيرهم أو من فعل الطبيعة فهو "قدر" أو "يقدر "، وهذا يؤمن به أيضا الفلاسفة المؤمنون بالله، من مسلمين وغير مسلمين.

وفي القرآن لفظ "قضى" بمعنى: أوجد أو أراد وجود الأشياء على ما هي عليه في جملتها، و. هذا يؤخذ من قوله تعالي عن خلق السماوات: " فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحي فى كل سماء أمرها " ( فصلت /12 ) ، وأيضا بمعني امر أو أراد وحكم : " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " ( الإسراء /23 ) .

وفى القرآن ألفاظ كثيرة ، هي صيغ من الأصل الثلاثي " ق د ر " قدر يقدر ، قدرنا ، ولفظ قدر ( بفتح الدال وتسكينها ) ، " تقدير " ، " مقدار " واستقراء هذه الصيغ بحسب السياق يدل علي ألوان من المعني يمكن إدراكها بسهولة .

فنجد الدلالة على الحكم والإرادة : " نحن قدرنا بينكم الموت " ، ( الواقعة /60 ) ، وفى امرأة لوط نجد قوله " قدرنا إنها لمن الغابرين " ( الحجر /60 ) ، ونجد الدلالة على الكم المحدد : " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " ( الحجر /21 ) " الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر "( العنكبوت /62 ) ولما خلق الله الأرض" قدر فيها أقواتها "(فصلت /10 ) .

ونجد تقدير أمور أخري : الزمان " والله يقدر الليل والنهار " ( المزمل /20 ) تقدير الحجم والحركة " والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم " ( يس /39 ) . وتقدير المسافة " وقدرنا فيها السير ( سبأ /18 ) ، المدة الزمنية أو الوقت من الزمان أو درجة الاكتمال ... فالجنين يبقي فى بطن أمه " إلى قدر معلوم " ( المرسلات /21 ـ 24 ) وكذلك الوقت المناسب للأحداث التى اقتضتها حكمة الله " ثم جئت على قدر يموسي " ( طه /40 ) ، ثم صنع الدروع بحسب التناسب بين أجزائها : فالله يوحي إلى داود : " أن اعمل سابغات وقدر فى السرد " ( سبأ /11 ) ، وتوصف القوارير فى صنعها المحكم بأن الذين يقدمونها فى الجنة " قدر وها تقديراً " ( الإنسان /16 ) ، وذلك من حيث الحجم والشكل ...

لكن فى القرآن أحكام عامة مثل قوله تعالي " وخلق كل شيء فقدره تقديراً " ( الفرقان /2 ) ، أي أنه تعالي هيأ كل شيء لما أراده منه ومن خصائص وأفعال مثل تهيئة الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط العلوم والصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك ( البيضاوي ) .

ولهذه الآية الجامعة امثلة فى القرآن ، كقولة تعالي : " أعطى كل شيء خلقه ثم هدى " ( طه
/50 ) ، وقوله"وكل شيء عنده بمقدار"( الرعد /8 )،" قد جعل الله لكل شيء قدرا "(الطلاق/3 )


فى ضوء هذه الآيات المحكمة ، يمكن ـ مع استقراء الألفاظ والتدبر في معانيها ، القبول بأن كل ما في هذا الكون قد ظهر إلى الوجود بحسب مبدأ يضبط كل شيء : طبيعة الأشياء وخواصها والكم والعلاقة والتناسب بين الأشياء على مقتضى أن الله قد خلق كل شيء " بالحق"

لكن يسود فى تفكير كثير من الناس كأن " القدر " نوع من الجبر إلى حد أن الناس قد يعللون الأعمال السئية أو التي تنشأ عن التقصير وعدم استعمال القدرة والارادة فى قهر الهوي والشهوات أو عن الإهمال أو نحو ذلك ، بأن يقولوا : هكذا أراد القدر ، هكذا قدر الله .


من الواضح ان هذا الموقف لايمكن الدفاع عنه لانه بتنافي مع ما فطر الله عليه الأشياء من قدرات وملكات وطبائع ، فضلا عن انه التنافي مع التكليف الإلهي وإيجاب الواجبات على أهل الأرض ومحاسبتهم عليها فكيف نتصور الأمر ؟

هنا لابد من الرجوع إلى القرآن نفسه لأن بعضه يفسر بعضاً ، جاء في القرآن قوله تعالي :
" إنا كل شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " ( القمر / 49 ـ 50 ) .

هنا أمران ، فى الآية الأولي : تفصيل ظهور الأشياء والأحداث بحسب جميع الظروف التى تحيط بها ، وهذا هو القدر بالمعني الذى شرحناه على أساس تدبر آيات القرآن .

وفى الآية الثانية : " الأمر " أو " القضاء " أو الإبداع الأصلي الكلي وهو " القضاء " بمعني إيجاد نظام الخلق بحيث يكون على ما هو عليه فى اسس وجودة وما يترتب عليها من أفعال وأحداث .

ولكن لما كان نظام المخلوقات فى جملته قد صدر عن قدرة الله وحكمته ، وكان بيده تعالي " الكل " وبقاؤه ، فلا غرو أن يعتقد المؤمن المفكر أن كل شيء فى الكوه فهو " بقضاء الله وقدره " ، من غير اعتقاد أن الأحداث والأفعال تجري ، وكأن العالم وما فيه مستقل عن قدرة الخالق وإرادته ومن غير إنكار طبائع الأشياء وما فطرها الله عليه من أفعال .

وبعبارة أخري فإنه ، بحسب نظرية " التدبير الإلهي المحيط بكل شيء " " والإذن الإلهي الشامل " تقع الاحداث كما قضي الله وقدر بأن يكون نظام العالم على ما نراه ، وهذا يؤمن به من عرف الله وصنعة المحكم .

هذا التصور يمكن ان نستخلصه من تدبر آيات القرآن ، وقد كانت المسألة موضوع بحث واختلاف عند المتكلمين : بين من نسب كل الأفعال والأحداث إلى الفعل الإلهي المباشر ، فأنكر طبائع الأشياء ، ومن نسبها إلى المخلوقات دون خالقها ، ومن توسط بين الأمرين ، كما شرح الغزالي مثلا بإيجاز فى كتابه " الأربعين فى أصول الدين " لكن القرآن قد أرشد إلى التصور الصحيح الذى ذكرناه ، والله أعلم ، وقد صارت المسألة موضوع بحث عند فلاسفة الإسلام وعند " علماء الكلام " ، ومن هؤلاء متكلمون متفلسفون يحسن ان نذكر بعض آرائهم لا لكي ندرس المشكلة عندهم بل كلي يتبين كيف انطلقت آراؤهم من النظر فى آيات القرآن .

فلنذكر على سبيل المثال تصور أول فلاسفة الإسلام ، وهو أبو يوسف يعقوب الكندي ، وذلك فى كتاب له فى التوحيد " لم يكتشف بعد ، لكن ابن عبدربه قد حفظ لنا منه فى كتابه " العقد الفريد " ( جزء 2 ) نصاً يدل على تصور فلسفي للعالم يستند إلى النظر فيما يراه الإنسان حوله من أشياء .

يقول الكندي إن الله خلق كل شيء بما له من صفات تجعل له طبيعته ، لكن بحسب ما هو " أصلح وأحكم وأتقن فى بنية الكل " .

ومن المخلوقات ما هو " مضطر "اي مجبور ، يقصد الأشياء الطبيعية التى ليس له اختيار ، ومنها ما له تمام القدرة والاختيار ، كالإنسان ونحوه .

لكن المخلوقات ذات القدرة والاختيار تنقصها الحكمة الكاملة التى هي لله وحده " مبدع الكل " فلو أنها كانت مطلقة القدرة والاختيار لتعدي فعلها الحدود وأفسد " نظام الكل " فلذلك قيد الخالق نظام الأشياء بأن جعل بعضها مؤثراً فى بعض وبعضها مناسبا لفعل بعض ، بحيث يمكن للمخلوقات ذات الاختيار ان تريد وتفعل أفعالها من غير إكراه لكن فى حدود ما أراد الله من صلاح نظام العالم .

ويدل كلام فيلسوفنا بسهولة على ان " القضاء " ، كما يقول ، هو إيجاد الإشياء بحسب ما قسمه الله لها من صفات ، وأن " القدر " هو ما ينتج من علاقات الترابط والتفاعل بين الأشياء ، وينتهي الكندي بأن يقول " فبالقضاء والقدر ساس جل ثناؤه جميع ما ابدع بهذه السياسة المحكمة التى لا يدخلها زلل ولانقض " ـ وهذه نظرة فلسفية إسلامية واضحة .

أما أفعال المخلوقات بوجه عام فهي تصدر عن طبيعتها كما خلقها الله ، ولم يجد الكندي أن هذا يحتاج إلى دليل ، لكن نظام العالم بما فيه تحيط به قدره الله " المبدع الممسك كل ما أبدع ، فلا يخلو شيء من إمساكه وقوته الا باد ودثر " ( آخر كتاب الفلسفة الأولي ) .

وللفارابي فا كتابه ((فصوص الحكم) تصور للقضاء والقدر يرتبط عنده بحسب فهمه " للقلم " و(اللوح"، بحسب ذكرهما فى الإسلام وأن كلا منهما ملك وهو يقول أن "القضاء يشتمل على مضمون أمر5 الواحد، والتقدير يشتمل على مضمون التنزيل بقدر معلوم ". لكن الفارابى من حيث الواقع الذي نشاهدة يري أن كل ما يقع فى هذا العالم ، سواء كان فعلاً طبيعياً أو ، اختيارياً، لا بد له من سبب، ثم تترتب الأسباب "مستندة إلى التقدير، والتقدير يستند إلى القضاء، والقضاء ينبعث عن الأمر، وكل شي، يقدر" .

ومن الواضح أن وراء تفكير الفارابي الآية التي سيأتي ذكرها.

ولابن سينا رسالة في "القدر"، وهي عرض شائق يحتاج إلي تحليل لأنه يصور لنا " الوضع الإنساني " تصويراً دقياتا، والشيخ الرئيس ينزع فى رسالته منزع أهل السنه من المتكلمين ، لكن مع نظرة علمية بعد تجربة شخصية تدبيراً إلهيا شاملا .

يقول ابن سينا إن الله علم وقدر الأشياء على ما هي عليه قبل خلقها ، وهو يقصد " بالقدر " شمول وتدبير الله وتسييره نظام العالم ، على حسب ما رتبه من نظام الأسباب والمسببات ، لكنه لايقول بالتقدير القهري الصريح ، وهو يشرح كيف تصدر عن الانسان أفعاله ، وهو بين مؤثرات من خارج ذاته وأخري من داخلها ، وينضم الى ذلك نوع التربية التى تهيأت له والعادات التى تعود عليها ، وعند ذلك يقوم صراع بين كل تللك العوامل ، فتقع الأفعال من الإنسان بحسب " اسباب رتبها القدر " وهذا عند ابن سينا هو الوضع الذى أوجده الله .

ونحب أن نلاحظ أن العلماء الإسلام مؤلفات كثيرة حول مسألة القضاء والقدر التى ظهر التفكير حولها منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، لكنه نهي عن الخوض فى المشكلة فى فترة تأسيس العقيدة الاسلامية ، فى وقت لم تكن العقول قد تهيأت تماما للبحث فى هذه المسألة الخطيرة التى تمس العلاقة بين أفعال الله وأفعال المخلوقات ، ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحكم فى أمر قدرة الله المحيطة بكل شيء وعن أعمال الإنسان قال : " إعملوا فكل ميسر لما خلق له " ، وفي هذا الكلام الموجز تأكيد لقدرة الأنسان ومسئوليته فى حدود الظروف التى تتهيأ له ومقدرته على العمل الحقيقي الصالح فى ظروف الوضع الإنساني العام .

فإذا أردنا متكلماً متفلسفا وجدنا الغزالي مثلا يعتمد على قوله تعالي " إنا كل شيء خلقنه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " ( القمر /49 ـ 50 ) ، وهو فى كتابيه " الأربعين .... " و " المقصد الأسني " يتناول الموضوع ، فيذكر " التدبير الأول " أو " الأمر الكلي " الذي هو " كلمح بالبصر " ، وهو تعلق قدرة الله وإرادته بوضع نظام الأسباب الكلية الدائمة ، وهذا هو " حكم الله وقضاؤه " ، ويذكر أيضاً توجية الأسباب الكلية الثابته إلى مسبباتها الحادثة بنظام ومقادير محسوبة شيئا بعد شيء ولحظة بعد لحظة ، وهذا هو " القدر " الإلهي .

ويجتهد حجة الإسلام فى أن يقرب المسألة كلها إلى الأذهان بمثال : فالتدبير الكلي وحكمة يشبه تصور آلة وصنعها ، تتألف من أجزاء كل منها له وظيفته وطبيعته لكن فعلها وما ينتج عنه فى داخلها وفى خارجها ، مهما تسلسل ، يقع بمقادير وحركات تنشأ عن جزء فى الآلة ، وكل ذلك يرجع إلى إرادة الصانع ، فوضع نظام الآلة فى جملته يقابل " القضاء " وعمل الاجزاء ، كل منها بما يخصه ، هو " القدر " وكل ما يقع فهو بحسب تقدير الصانع للآلة ، لكن الغزالي ينبه القاريء إلى أن يجتهد فى فهم الأمور الإلهية من غير تشبية للتدبير الإلهي بتدبير المخلوقات ، ووصف الآلة التى اختارها الغزالي وهي " صندوق الساعة المائية " فى عصره وصف دقيق ، ويمكن اختيار مثال آخر فى عصرنا ، لكن المهم فى هذا كله هو تأكيد علم الله وتقديره وتدبيره لهذا العالم من غير إلغاء طبائع الاشياء من جهة ومن غير إخراجها عن دائرة التدبير الإلهي ، وهذا لايمكن إدراكة إلا بحسب مفهوم رفيع للتوحيد ، بمعني وحدة النظام الكوني المترتبة على وحدة الخالق القادر الحكيم ، وذلك يحتاج إلى تحليل لايتسع له المقام ، وتكفي الإشارة إليه لكي يجعله المؤمن المفكر موضوع تفكر عميق .

السموات والأرض وما بينهما في القرآن


يؤكد القرآن دائما أن الله " رب العالمين ، ومهما تنوع التفسير للفظ "العالمين" فلا شك أنه يدل علي صنع الله الذي لا نهاية له، لأنه تعالى خلاق مبدع من الأزل إلى الأبد.

وقد اقتبسا العبارة التي اخترناها لتكون عنواناً للكلام عن عالم كبير نشاهد بدايته إمامنا، ويؤخذ من آيات القرآن أن هناك ما هو أكبر من ذلك (مثلاً آل عمران/133، الحديد/ 21). لكن "الكتاب الحكيم " يحدثنا خصوصاً عما نشاهده بوسائلنا، أما أعماقه فهي بعيدة بعداً قاصياً، غيرأن الله جعل النظر فيما ندركه من ذلك سبيلاً إلى معرفته والإيمان بقدرته وحكمته وعنايته بالإنسان على كوكبه الذي جعله الله مستقراً له ومتاعاً إلى حين (الجا ثية/ 13، البقرة/ 36).

والقرآن، بعد أن بين أن هذا الكون " خلق أصيل على غير مثال سبق " ( بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) ( البقرة / 117 ) ـ نبه إلى جوانب أو أنحاء لوجود ما فيه لكي يجعلها الإنسان موضوعات لنظر العقل ودراسة الأشياء .

وقاريء القرآن يلاحظ ان كل ما تحدث عنه من آيات الكون موضوع بحث علمي ، بل علوم كثيرة بالمعني الإيجابي الحديث الذي يتناول دراسة وقائع الكون بحسب مناهج البحث العلمي ، وإذا كان القرآن قد صرح بأن في ظاهرات الكون وفي الإنسان وأمور حياته آيات " للعالمين " أو " لقوم يعلمون " ويقول أيضا بعد الإشارة إلى بعض الظاهرات الطبيعية : " إنما يخشى الله من عباده العلماء " ( فاطر /28 ) فإنه صرح بأنه المعرفة الأساسية الممكنة للإنسان بهذا الكون تعتمد على استعمال الحواس والعقل ، وذلك بقوله " والله اخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون " ( النحل /78 ) .
أما الجوانب التى نبه إليها القرآن فهي موضوعات كبري وعامة يجري البحث فى إطارتها ، فى شتي ميادين المعرفة بالكون ، ولايمكن فى خارج إطاراتها ، العامة أن يقوم علم بجزئيات من جميع وجوهها .

وقبل الدخول فى ذلك كله يجب ان نشير الى ان المصنفات في " علوم القرآن " وهي مصنفات جليلة لعلماء كبار متخصصين على مر القرون ، إنما تناولت خصوصاً دراسة القرآن نفسه من كل الوجوه : نزولة وتدوينه ولغته وأسلوبه وإعجازه وتفسيره ومحكمة ومتشابهة ... وغير ذلك ، وهي دراسة لم يحظ بها كتاب منزل او غير منزل ، بحيث تحقق تماماً فى ضوء شواهد التاريخ الثابت معني قول الله فى القرآن : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ( الحجر /9 ) .

لكن تلك الكتب العظيمة لم تتناول الدراسة التحليلية للآيات التى تتحدث عن الكون ، ومع انها تعطي احكاما كلية عن الكون وما فيه وتنبه إلى القوانين التى تحكم الظاهرات او تفسر وجودها ، إلا أن بعض الذين كتبوا في علوم القرآن من المحدثين لم يميلوا إلى تفسير الآيات فى ضوء المعرفة العلمية الحديثة الصحيحة ، مع أن القرآن يدعو ، بل يوجب ، النظر فى الآيات لتكون مشروعات لأبحاث كبري نعرف منها صنع الخالق العظيم ، ونستدل أيضاً على عنايته بالإنسان لكى يستخدم العلم بطبائع الأشياء ويستخدمها في مصالح حياته، لأن الله سخرها له ليستطيع أن ينظم حياتة وينشيء حضارته على كوكبه الفريد .

واني أعلم أن كثيرين لا يميلون إلى دراسة آيات ((الكتاب الحكيم)) بحسب معطيات العلم. لكن إذا كان جميع المفسرين من أول الامر قد اجتهدوا في تفسير الآيات الكونية بحسب ما عرفوه أو تخيلوه من دلالة آيات القرآن مطبقة علي موضوع الكلام، فماذا يمنع اليوم من تفسيرها بحسب مانعرف من صنع الله الذي حدثنا عنه: " بلسان عربي مبين "، وذلك بوضع الألفاظ وما فيها من أحكام خاصة بالواقع بإزاء الواقع نفسه، لكي نعرفه أو ندرك الدلالة العميقة لما تشير إليه الآيات، إذا كنا في عصرنا نعرف عن ذلك حقائق ثابتة حول مختلف الأشياء التي ذكرها القرآن؟

علي أنه قد كانت آيات الكتاب الحكيم سبباً في إيقاظ عقول علماء الإسلام جميعاً وتوجيههم إلي البحث في الكون، فأنشأوا العلوم الطبيعية والكونية بكل أنواعها متخذين من آيات القرآن أصولاً في المعرفة بالكون، وأفكاراً قائدة لهم في البحث، ومناهج وأهدافاً للوصول إلي المعرفة، لكن الكثير من الآيات لم يدرس الدراسة الكافية، ولا يمكن أن تتجلى معانيها إلا في ضوء المعرفة العلمية الحديثة، ولذلك نجد اليوم علماء مسلمين وغيرمسلمين يؤلفون في علوم القرآن بالمعنى الذي نقصده، ويفهمون آياته فهما جديداً، ومن تلك الآيات ما سيظل بلا تفسير مناسب إلى أن تتقدم المعرفة، ولذلك فإن القرآن كان ينظر إلى المستقبل البعيد عندما قال عن الإسلام والقرآن:" سنريهم ءايتنا فى الأفاق وفي انفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد " ( فصلت /53 ) .
أن يستخلص من القرآن أحكاماً عامة متكاملة عن الكون فى جملته وكذلك عن أجزائه الكبري فى السماء والأرض ، ونستطيع اليوم أن نتحدث بحق عن " علم كوني قرآني " أعني " كوسمولوجيا قرآنية " بالمعني المعروف فى العلم الحديث ، وهو أن علم الكوسمولوجيا هو منتهي دراسة علم الفلك العادي ، لانه يتناول أموراً كلية حول أصل هذا الكون ونشأته وطبيعته وتشكلاته وقوانينة العامة ، وما يسميه العلماء " سلوك الكون " ومدة وجودة ومصيره ونهايته ونحو ذلك من أحكام . فأما دراسة أنواع الأشياء فى السماء والأرض فهي موضوعات للعلوم الكونية الجزئية التى لا حصر لها . وكان علماء الإسلام قد ساهموا فى ذلك بجهود أدت إلى الابتكار وسجلها تاريخ العلم وجاء المؤلفون فألفوا فى ذلك بجهود أدت الى الابتكار وسجلها تاريخ العلم ، وجاء المؤلفون فألفوا فى ذلك مثل العالم الإيراني الكبير سيد حسين نصر Seya Hoosier nasal الذي ألف كتابه " العلم الإسلامي " Islamic science ، وكتابه فى " النظريات الكوسمولوجية الإسلامية Islamic Cosmological Doctrines

,وكذلك ألف عالم كبير هو أفضال الرحمن كتاباً عاماً بعنوان " العلوم القرآنية "
Afzalur Rahman: Quranic Sciences ( The Muslim School Trust, London

وقد اشتمل هذا الكتاب بإيجاز على كثير جداً من موضوعات العلوم الطبيعية المتنوعة والكونية مع الإشارة المستمرة إلى آيات القرآن .

والمؤلفات الحديثة فى ذلك كثيرة في شتي بلاد الإسلام ، بل هناك مجالات ظهرت فى ذلك .

ومنذ أكثر من نصف قرن أراد الأزهر الشريف فى القاهرة تثقيف طلبة قسم الوعظ والإرشاد في كلية أصول الدين بشيء من العلم الطبيعي الحديث بعنوان ((سنن الله الكونية)). وأسند التدريس للعالم الفاضل طيب الذكر الأستاذ محمد أحمد الغمراوي، فكان هو الرائد في الميدان، وكانت الثمرة كتاباً له ظهر بالعنوان نفسه عام 1936، ثم جمعت حديثا دراسات له شائق بعنوان ((الإسلام في عصر العلم)) والآن كثرت الكتب التي تتناول الإسلام والعلم أو آيات القرآن وتفسيرها بالعلم، وكذلك تعقد المؤتمرات حول ((العلم في سياسة الدولة الإسلامية)) science in lslamic polity ، وحول القرآن وإعجازه العلمي (باكستان.) وتعقد الملتقيات الفكرية الدورية حول الفكر الإسلامي في شتى ميادينه، ومنها ما خصص للقرآن وعلومه، بل إن وسائل الإعلام في بلاد الإسلام تتناول آيات القرآن وتلقي الأضواء على معانيها بحسب المعارف العلمية العلمية الحديثة.

علي أن كل ما ظهر من ذلك ليس سوق بداية، ولا بد أن يتوفر على تفسير آيات القرآن الكونية متخصصون بالمعنى الدقيق يلتزمون بالفهم السليم لألفاظ القرآن وأحكامه الكلية في هذا المجال مع النظر في الواقع الكوني ومحاولة التفسير من جديد، بلا اعتماد علي الخيال ولا على شيء يبعد بالآية عما تشير إليه بدقة.

جوانب كلية لهذا الكون في القرآن:
وقبل أن نتكلم عن الجوانب الكلية لنظام المخلوقات يحسن أن نشير بإيجاز، أن القرآن تناول كل ما يقع تحت الحس من ظاهرات علي الأرض وفي الجو القريب منها وفي داخل النظام النمساوي، وهو إذا كان قد أشار إلى بعض الأشياء على سبيل الإجمال أحياناً، فإنه تحدث عن مجرى بعض الظاهرات ومراحلها سواء ما يحدث في الجو مثل المراحل التي يسقط في نهايتها المطر (النور-/43) أو مراحل ظهور النبات على الأرض، مع الإشارة إلى جمال الطبيعة (عبس/ 24- 32، الحج/ 5، الشعراء/7) أو عالم الحيوان من حيث أصنافه وما في بعضها من زينة وجمال يسعد به الإنسان( النور/ 45، النحل /8) أو مراحل تكوين الجنين في بطن أمه، ثم تقلب الإنسان في مراحل الحياة، (الحج/ 5، المؤمنون/12- 14)، هذا وقد أعطى القرآن أسماءً وألفاظاً واضحة لكل ما تحدث عنه، فوضع الأسس للمصطلح العلمي .

أما الجوانب التي أشرنا إليها فهي كثيرة ومتنوعة ومن أهمها:
.
.

نــوف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2005, 02:31 AM   #4
نــوف
رائحــة الـورد
 
الصورة الرمزية نــوف
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 2,902
افتراضي




أولاً : أن كل شيء له طبيعته السوية المتعادلة، وله مجراه وقانون وجوده، وذلك هو قوله: " سبح اسم ربك الأعليىالذى خلق فسوى والذي قدر فهدى" ( الأعلى /1 ـ 3 ) .

وقوله في الجوانب عن سؤال فرعون لموسى: " قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطي كل شيء خلقه ثم هدى " (طه/49- 50).

ثانياً. كل شئ له كم ومقدار : " وكل شيء عنده بمقدار " ( الرعد /8 ) ، " وخلق كل شيء فقدره تقديرا " ( الفرقان /2 ) ، " قد جعل الله لكل شيء قدراً " ( الطلاق /3 ) .

ثالثاً: كل شيء له "كيف" بمختلف المعاني التي تعبرعنها هذه الكلمة في القرآن، فهي قد تشير إلي تركيب الشيء أو هيئته ووظائف أعضائه، مثل الكائنات الحية:" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " ( الغاشية /17 ) أو أن يكون شيئا كبيرا على مستوى السماء وبنائها وما يدل عليه ذلك : " أفلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج " ( ق /6 ) وقد يكون، الشيء ظاهرة طبيعية في علم الضوء والظلال " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا " ( الفرقان /45 ـ 46 ) وفى هذه الآية فى قوله : " ثم قبضناه الينا " إشارة إلى طبيعة الضوء ونوع حركته إذا اعترضه جسم له ظل .

رابعاً: كل شيء في نظام المخلوقات، ففي وجوده حكمة وغاية وله قانون، وهذا ما تدل عليه كلمة "بالحق " التي ترد كثيراً في القرآن عند الكلام عن نظام هذا الكون: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لايعلمون " ( الدخان /38 ـ 39 ) " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون " ( يونس /5 ) .

خامساً: وفي القرآن ما يدل علي أن قوانين الطبيعة ثابتة ما دامت علي هذه الحالة التي أوجدها الله، وهذا ما يدل عليه لفظ "سخر"، ومعنى التسخير هو تسير الشيء إلى تحقيق الغرض المختص به قهراً، (مفردات الأصفهاني) وهذا يشمل ظاهرات الطبيعة وقواها جميعاً منه الليل والنهار إلي الشمس والقمر والبحر والأنهار، بل " ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه " (الجاثية/13)، وكل ذلك بحسب نظام ثابت يخدم حياة الإنسان، ومنه أيضاً تسخير الحيوان (الحج/ 36- 37) وتسخير الجبال تسبح مع داود عليه السلام والريح تجري بأمر سليمان عليه السلام (ص/18- 36).

سادساً: يجب أن نلاحظ أن ظاهرات الطبيعة لاتجري بقوي من ذاتها، كما كان، يقول الفلاسفة القدماء، بل هي تجري بحسب التدبير الإلهي الشامل الذي أشرنا إليه " والله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت " (فاطر/ 9) " وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها " (الروم/ 24-.5)، ولا يقع شيء في السماء ولا في الأرض إلا "بإذن الله ".

وكذلك كان قوانين الطبيعة وفعل ما يقع فيها، كل ذلك في نطاق قدرة الله، فهو" إن يشأ يسكن الريح " فلا تتحرك السفن (الشورى/33)، كما يستطيع، أن يغور الماء (الملك/ 30 ) أو يديم الليل أو النهار (القصص / 71 - 72)، بل أن يخسف الأرض بمن عليها (الملك/16)، كل ذلك يدل على أن قوى الطبيعة ليست حتمية، وهذا ما قد أصبح واضحاً بحسب تقدم المعرفة العلمية، وما لوحظ من أن الأشياء في هذا الكون يرتبط بعضها فيما بينها، ؟ وبعضها يهيىء الأسباب لبعض أو هو غاية للبعض، مما يدل على أن وراء ذلك قدرة خلاقة بحكمة واختيار، وقد أشرنا إلي ذلك من قبل.

لكن ليس معنى هذا أن أفعال الله تجري على قاعدة التعسف، بل إن ذلك تذكير للمكذبين والمغرورين بالسيطرة على الطبيعة، وقد حدث أنهم تدخلوا في أسرار الطبيعة وأرادوا استخدام ما فيها من قوة، ربما لأغراض لا تخدم مصلحة الإنسان، فكانت النتيجة فساداً كبيراً أصابهم وأصاب غيرهم (أخطار انفجارات المفاعلات النووية).

سابعاً. وإذا كانت ظاهرات الطبيعة، رغم ثباتها واطراد قوانينها، تدخل في نطاق القدرة، فإن كل شيء في الكون من الجنين في رحم أمه أوحياة فرد أو حياة أمة وحضاراتها أو نجم أو كوكب يجري في فلك له " أجل مسمى " وهو المدة المحددة لوجوده، بل إن هذا الكون في جملته، بعد أن أبدعه الله أخذ يتشكل هو وكل شيء في المدة المقدرة له، وهذا هو "أجله " أو "زمانه" الذي هو عنصر أو عامل من عوامل تكوينه وليست شيئاً قائماً بذاته خارجاً عن الأشياء، كما يتصور بعض الفلاسفة القدماء.

" أو لم يتفكروا فى أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقايء ربهم لكافرون " ( الروم /8 )

والقرآن صريح فى أن هذا الكون بسماواته وأرضة ، عندما يحين أجله وتجيء " الساعة " المحددة ليوم " القيامة " سينتهي أجله " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار "
( إبراهيم /48 ) .

هذه بعض الجوانب العامة لنظام الكون في جملته، كما نجد ذلك في القرآن، وهو قد تكلم عن كل الظاهرات الكونية الكبري ,وعن كثير جداً من الظاهرات الصغرى، ونحب أن نختار من ذلك أعظم الظاهرات التي أمامنا، وهي "السماء"، وقد تكلم القرآن عنها بعبارات عجيبة تحتاج إلى تفسير، مثل قوله: " والسماء ذات الحبك " (الذاريات/7)، " والسماء ذات الرجع " (الطارق/ 11) وأن السماوات " "سبع طرائق " (المؤمنون/17) أو أن الله جعل السماء " سقفا محفوظا " (الأنبياء/ 32) أو أنها مظلمة رغم ما قد نتصوره خلاف ذلك من وجود كل ما نراه فيها من النجوم والكواكب، هو قوله:" وأغطش ليلها وأخرج ضحها " ( النازعات /29 ) ، وقد فسر لنا العلم الحديث السبب فى ظلام السماء وهو عدم وجود ذرات جسمانية بعد الغلاف الجوي لكي تعكس الضوء ، لأن الضوء نفسه لايري إلا منعكساً من أجسام .

لكن يجب ان نذكر أيضاً أن القرآن تكلم عن السماء من وجوه كثيرة ، منذ أن كانت " دخاناً " فى أول المرحلة الأخيرة من تشكل ذلك " الرتق " العظيم الذى فتقته القدرة الإلهية ، و " الدخان هو ما يسمي Nebule بلغة العلم الحديث ، وتكلم القرآن عن بنائها ، وهو بناء قوي شديد ، حتي أقسم الله تعالي به : " والسماء وما بناها " ( الشمس /5 ) ، " والسماء بنينها بأيد بأييد وإنا لموسعون " ( الذاريات /47 ) ، " وبنينا فوقكم سبعا شدادا " ( النبأ /12 ) ،

وعن تسويتتها، أعني تعادها بما فيها " رفع سمكها فسوئها "(النازعات/28)، وعن توازنها بما فيها من النجوم، " والسماء رفعها ووضع الميزان " (الرحمن/7)، وعن انسجام أقسامها الكبري، فلا "تفاوت " أي لأ تنافر بين تلك الأقسام (الملك/3)، وتكلم عن تلك النجوم التي لا تحصى، والتي هي " سرج وهاجة"، أي مضيئة بنفسها، وكواكب تستنير منها وتعكس ذلك الضوء نوراً، فيكون كل ذلك زينة للناظرين:" ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين " ( الحجر/16)، " أنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب " ( الصافات /6 ) وغير ذلك من مميزات للسماء التى نراها، وهي بداية العالم العظيم الذى خلقه الله .
ا لأرض. وكذلك تكلم القرآن عن الأرض كلاماً يحتاح إلي دراسة علمية: " والأرض ذات الصدع" (الطارق/ 12)،" والأرض وما طحاها " ( الشمس /6 ) ، " والأرض بعد ذلك دحاها " ( النازعات /30 ) ، " أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمة ، وهو سريع الحساب " ( الرعد /41 ) ، وأحب أن ألاحظ أن التفسيرات المتنوعة لهذه الآية مختلفة وغير كافية ، لأن الآية عامة وتخص الأرض ، وهي من نوع آية الرتق والفتق التى سنتكلم عنها فيما يلي .

لكن القرآن يتكلم عن الأرض بعد انفتاق ذلك الرتق الكبير الذى تشكل منه هذا الكون كله ، ومن كلام القرآن يتبين أن بداية نظام السماوات واحدة وهي "الأمر الإلهي الواحد الكلي " ( القمر /50 ) ، فكل أشياء هذا الكون لها عمر واحد، لكن القرآن في سورة (فصلت/ 9- 12)، قد خص الأرض بكلام محدد حول تشكيها في المرحلتين الأوليين من المراحل الست التي هي (( الأيام)) التي ذكرها القرآن، وهي عصور متطاولة لتشكل الكون وكلام القرآن، عن الأرض يبين أن تشكلها كان قبل تشكل السماء ؤقبل أن يلتئم التشكل الكبير الذي جمع بين الأرض والسماء في قانون واحد يشير إليه علي سبيل المجاز، قوله تعالى عن السماء." فقال لها وللأرض أئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحي فى كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم " ( فصلت /9 ـ 12 ) .

هذا ما نجده في القرآن حول تشكل النظام الكوني، وهو يختلف كل الاختلاف عما نجده في أول سفر التكوين من التوراة، وهو يحتاج إلى دراسة مع اجتهاد لمعرفة الكون بوجه عام، وإذا كان هذا التشكل قد بدأ كله في لحظة واحدة، بحيث يكون عمره كله واحداً، فإننا نحتاج إلي دراسة أجزائه
الكبري، كل منها على حدة في داخل التشكل العام.

وقد دلت بعض الآراء في حساب عمر الكون علي يد الفلكي الأمريكي الكبير Edwin Hubble (ت 1953) على أن تشكل الأرض أقدم من تشكل السماء، وخالفه البعض في هذا الرأي، لكن المسألة ليست دائماً مجرد تصور لسير تلك العملية الكونية، بحسب مجرى تلقائي يتخيله الإنسان، لأن القدرةالإلهية قد تتدخل في أثناء ذلك كله تحقيقاً لحكمة معينة بالنسبة لشيء معين، ولا بد أن ظروفاً وعوامل خاصة تتعلق ببعض أجزاء الكون قد طرأت، وكان لها تأثيرها... وكلام القرآن على الأرض ليس قصة بل هو أحكام عامة، والكون لا يزال يتشكل ويكبر.

وللإنسان أن يتعجب من تميز الأرض في داخل المجموعة الشمسية بتلك الظروف التي جعلتها صالحة لظهور الحياة واحتضانها، فلا بد من عوامل معينة أدت إلي ذلك، ولايعرفها أحد،وإن كان علم الجيولوجيا يحاول دراسة تاريخ الأرض، ويجب أن تستمر الدراسة لمعرفة تلك الأسباب الخاصة التي ستبين لنا حقيقة الأطوار التي تشكل فيها كوكبنا إلي أن ظهرت عليه الحياة وازدهرت وتنوعت على نحو ما نري.

ونحب أن نشير هنا إلي أن لفظ "السماء" يطلق بوجه عام على النظام الكوني الذي فوقنا، القريب منه والبعيد، والعلم قد أثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن الكون العلوي البعيد لا يزال يتشكل، وكذلك نحب أن نشير إلى قوله تعالى في القرآن " وأوحى في كل سماء أمرها "؟ (فصلت/ 12)، فهو ينبه إلي كل العوامل والقوانين التي تنتظم بها كل سماء بما فيها ومن فيها، ولفظ "أوحى "، بما يدل عليه من خفاء الفعل، يشير إلي الأحوال الداخلية في كل سماء.

والآن، فلنحاول أن نفهم بعض الآيات التي تكلمت عن السماء من بعض ، الوجوه، ونضع في الاعتبار ما تشير إليه الآيات من دلالة على قوانين عامة تحكم النظام السماوي في جملته.

في القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكد أن الله تعالى " رفع السماوات بغير عمد " (مثلاً الرعد/2)، والسماوات المقصودة ليست هي الفضاء اللازوردى الذي، نراه، لأنه ليس جسماً يمكن أن يرفع أو يخفض، والعلم القديم والعلم الحديث قد حاول أن يفسر لنا هذا اللون تفسيراً علمياً، وإنما المقصود بالسماء بوجه عام هو تلك الأجرام الضخمة التي نراها فوقنا، ثم إن قوله تعالى: " والسماء رفعها ووضع الميزان" (الرحمن/7)، يمكن إن يشير إلي توازن تلك الأجرام بحسب قانون يجعل كلا منها في موقعه بحسب كتلته بالنسبة لغيره، وإلا" فأي ميزان يكون مقصوداً إذا وجدناه في القرآن مقروناً بالأجرام السماوية، فلابد أن يكون هناك سر، أي قانون عظيم، يستحق أن يقسم الله به في. القرآن بقوله " فلا أقسم بمواقع النجوم . وإنه لقسم لو تعلمون عظيم " والله تعالي يقسم بذلك القانون على أمر عظيم ، وهو قوله " إنه لقرءان كريم في كتاب مكنون لايمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين " ( الواقعة /75 ـ 78 ) ، فما أعظم شان المقسم به ، وأعظم شأن المقسم لأجله . وبعض المفسرين القدماء فهم من " مواقع النجوم " مساقطها ، وخصوصا مغاربها أو انكدارها وانتثارها يوم تأتي القيامة ، لكن خطر للبعض أن المقصود هو " مواقع نجوم القرآن ومعانيها وأحكامها فى قلوب الملائكة ورسل الله وعبادة الصالحين " ، لكن ذلك كله بعيد عن دلالة الألفاظ التى تتكلم عن النجوم التى فى السماء ويهتدي بها الناس فى المعرفة بالأزمان والجهات ، كما في آيات آخري ( الأنعام /97 ، النحل /16 ) ولذلك فهم البعض مثل الرازي والبيضاوي والألفاظ على أنها تدل على منازل النجوم ومواضعها فى السماء ، وهذا قريب ، لكن المقصود من ذلك ليس مجرد مواضع النجوم بل السبب أو القانون الكبير الذي يجعل كل نجم فى موقعة بالنسبة لغيره ، بحيث تكون هناك علاقة توازن بين كل الأجرام فى السماء التى لاحدود لها .

إن وجو د الأجرام، كل منها في موقعه يحتاج إلى تفسير، وهنا قد يخطر على البال عند المشتغلين بعلم الكون قانون الجاذبية العام الذي بحسبه يأخذ كل جرم موقعه أو يتحرك حركته بحسب كتلته وبالنسبة لغيره، وهذا فهم اجتهادي ،والعلم قد يذكر لنا ـ كما هو حاصل بالفعل- أن هناك تفسيراً آخر غير مفهوم الجاذبية، بحسب الدلالة الدقيقة لهذا اللفظ، ويستطيع الإنسان أن يتصور أن لفظ "التوازن " بين الأجرام هو التسمية الأكثر ملاءمة، وإن كان يجوز أنه نتيجة لقانون الجاذبية العام، لكن المهم أن نبحث عن السر فى ذلك ، ومن المعلوم أن العلم قد يفسر الظاهرة الواحدة بتفسيرين، كل منهما يشرحها، ويبقي المجال دائما للمزيد من العلم التفسير، وإذا تغيرت تصوراتنا للأشياء فهذا يرجع إلينا ، والوقائع والظاهرات والأحداث تبقي كما هي .

على أن المفسرين القدماء جميعاً فهموا من لفظ " الميزان " أنه ميزان العدل أو الشريعة التى يتحقق باتباعها العدل بين الناس ، وعند البعض أن الميزان هو الآلة المادية المعروفة ، وحتى لو فهمنا اللفظ على هذا المعني المادي المعروف على الأرض ، فإن وزن أي جسم يوزن به جسم آخر لتقدير الوزن بين الجسمين فإن ذلك يدخل ضمن قانون التوازن العام الذي يحكم العلاقة بين الجسم الذي نزنه ونزن به الأرض ، وهو قانون التوازن الكوني العام . ولاشك أن هذا ما يمكن ان نفهمه من قوله تعالي بعد الكلام عن توازن أجرام السماء : " ألا تطغوا فى الميزان " ، أي لاتطغوا فى الوزن على الأرض ، وهذا يدل على ارتباط الوزن على الأرض بقانون التوازن السماوي .

والخلاصة أننا لانزال نحتاج الى مزيد من العلم لنفهم المعني الحقيقي للفظ الميزان والحكمة فى ربط الميزان فى السماء بالميزان على الأرض ضمن قانون عام واحد ، وهنا يحسن ان نتفطن إلى آية عامة الدلالة فى القرآن ، وهي تحتمل تفسيرات عديدة ، وتفيدنا هنا ، وهي قوله " يدبر الأمر من السماء إلى الأرض " ( السجدة /5 ) .

وإذا كان القرآن فى الآية الثالثة من آيات الميزان التى تشير إلى السماء والأرض يأمر الناس بأن يقيموا الوزن بالقسط ، فانه لامفر ـ بحسب منطق الآيات ـ من أن يكون المقصود قانوناً عاماً يشمل كل الأجرام الكونية ، ومهما كان الأمر فإنه لامفر من تفسير مثل هذه الآيات ، والا بقي جزء كبير من القرآن بغير تفسير مع وضوح الألفاظ واستعمالها فى الدلالة المباشرة على الأشياء التى نراها .

وبعد ذلك فلننظر إلى آية أخري في القرآن تتكلم عن السماء، وهي قوله تعالى: " والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون " ( الذاريات /47 ) . وقد تنوعت تفاسير القدماء لقوله تعالي : " لموسعون "، فهناك من يقول إن ذلك يدل على " الوسع " بضم الواو وسكون السين ، أي القدرة على خلق أمثال ما نري فوقنا من السماء ، وهناك من يقول إن اللفظ يدل على التوسيع على العباد فى الرزق ونحو ذلك ، لكن بعض المفسرين ( وهو الفخر الرازي ) ، فهم أن المقصود هو القدرة على توسيع السماء بحيث تكون الأرض وما يحيط بها بالنسبة للسماء " كحلقة في فلاة " ، ولكن البيضاوي فهم من الآية بصراحة أن الله قادر على أن " يوسع السماء أو يوسع ما بينها وبين الأرض " ولكن لم يخطر لاحد أن السماء فى حالة اتساع بالفعل ، وإذا نحن نظرنا للفظ بصيغته التى هو عليها ، وهي اسم الفاعل الذى يدل على الفعل المباشر ، وأردنا أن نفهمه، فإن المعني يصبح واضحاً تماما ، وهو أن الله يوسع السماء بالفعل وأنها الآن أيضاً فى حالة امتداد واتساع ، وذلك منذ " انفتاق " ذلك " الرتق " العظيم الذي فتقته القدرة ، كما في قوله تعالي متحدياً الكافرين الذين لا يؤمنون بالله أو ينكرون أن يكون القرآن تعليماً إلهياً غير عادي ولا مألوف ، وليس من كلام البشر ، ولا يخرج من أي علم قديم عند العرب او عند غيرهم .
" أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون * وجعلنا فى الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون * وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن ءاياتها معرضون * وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون " ( الأنبياء /30 ـ 33 ) .


وبصرف النفس عما تتضمنه الآيات من أحكام واقعية تتعلق بالحياة أو الجبال ووظيفتها في الأرض وأن السماء "سقف محفوظ " وأن الأجرام كل منها يسبح في فلكه"، فإن الآية واضحة، ولا يصح أن نذهب في تفسيرها إلي خيالات بعض المفسرين التي لا تتفق مع المعنى الواضح للألفاظ، وهو أنه كان هناك شيء ملتحم ثم فتقتة قدرة الله، ومن تلك التفاسير ما نجده عند القرطبي نقلاً عن ابن عباس والحسن وغيرهما: "أن السماوات والأرض كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء"، أو تفسير كعب الأحبار: "أن السماوات والأرض كانت بعضها على بعض، ثم خلق الله ريحا توسطها ففتحها بها، وجعل السماوات سبعا والأرضين سبعاً "، وللمفسرين خيالات عجيبة وأوهام في الأرضين السبع وما فيهما، وعن ابن عباس "أن السماء كانت رتقاً لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت، ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات ".

أما العلم الكوني الحديث الذي يجب علينا أن نحترمه فإنه على أساس ملاحظات، علمية لا شك فيها ولها دلالتها بحسب قوانين الطبيعة، يؤكد أن هذا الكون في حالة امتداد واتساع بالفعل من جميع الجهات بالنسبة للراصد على الأرض . واستدلال العلماء على ذلك جاء نتيجة لتحليل أشعة الطيف الآتية من النجوم البعيدة التي في المجرات وما وراءها، فقد لوحظ أن تلك الأشعة تنزاح إلى الحمرة، ومعنى هذا أنها في حالة ابتعاد، نظراً لخفوت ضوئها، وهذا ما يتفق مع قوانين أخرى طبيعية تثبتها التجربة، مثل قوة الصوت بالنسبة للسامع، فكلما ابتعد مصدر الصوت ضعف؟ وكلما اقترب ازدادت قوته ، وهذا ما قد سجله العلم الطبيعي على يد الفيزيائى النمساوي كريستيان دوبلر Christian Doppler (ت 1853) وصار يسمى ( Doppler effect ) والمقام لا يتسع لتغصيل ذلك كله، ونكتفي بالإشارة إلى أبحاث الفلكي الأمريكي Edwin Hubble (ت 1953) التي نشرها في عام 1929، وتبت على أساسها العلمي أن الكون يتسع، ثم جاء الفلكي الأمريكي الروسي الأصل George Gamow (ت 1968) الذي فصل النظرية وأصبح القول باتساع الكون أمراً علمياً لاشك فيه .

وبطبيعة الحال يمكن فهم قوله تعالى : " وإنا لموسعون " بالمعنى الذي خطر للبيضاوي ، لكن ذلك كان على أساس الإيمان بالدليل القاطع بوجود الله وقدرته التى لانهاية لها ، لكن المسلم مأمور دائماً خصوصاً فى يومنا قبل كل شيء ، أن ينظر ( في ملكوت السماوات والأرض ) ( الأعراف /185 ، يونس /101 ) وأن يتوصل إلى علم يفسر الظاهرات الكونية فى ضوء قوله تعالي : إنه ( خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق ) ، ومن معاني قوله " بالحق " أي بحسب حكمة تتمثل فى قوانين تضبط نظام الكون .

وقد كان لابد للعلم أن يمضي فى المزيد من البحث ، وهنا سار التفكير على النحو التالي إذا كان الكون يتسع بقوة وبسرعة ، ونحن نلاحظ ذلك أينما كنا على الأرض فإن الاتساع لابد ان يكون بدأ من نقطة وكان الانطلاق منها بقوة هائلة ، وهذا أدي الى فرض علمي وضعه الفيزيائى ـ الفلكي البلجيكي George Le Maitre Primoval Atom فانفجر بكل قوة ، وهذا ما يسمي Big Bang أي " الانفجار الضخم " الذى صحبته أحداث كونية يصعب على العقل أن يتخيلها من حرارة وسرعة لاتتصور انطلقت من شيء بدأ منه تشكل هذا الكون العظيم فى عشرات الآلاف من ملايين السنين .

ونحن لانسلم بهذا الفرض بسهولة ، ونحن لانعرف كما لايعرف

صاحب الفرض طبيعة ذلك الشيء الذى انفجر ، لكننا نشاهد نتيجة انفتاق الرتق الذى يحدثنا عنه القرآن .

ومهما كان الأمر فإنه لا يصح أن يتصور أحد اليوم أن الأرض مثلا خلقت على هذه الصورة التى نراها عليها ، لأن القرآن نفسه ( فصلت /9 ـ 10 ) ، يقول بكل وضوح إنها تشكلت على صورة أولية فى " يومين " أي مرحلتين من المراحل الطويلة الست التى تشكل فيها الكون كله ، ثم تشكلت فى يومين آخرين لتكون على النحو المناسب لتوازنها فى حركتها بظهور الجبال فوقها، مما يدل على أنها كانت متحركة ، وهذا ما تدل عليه آيات أخري ( مثلا ، الأنبياء /31 ) ، أصبحت على الحال والإمكانيات الملائمة لما سيظهر عليها من أحياء تحتاج الى غذاء :
( وقدر فيها أقواتها )

وإن ذكر لفظ " الأيد " فى الآية الكريمة ، وهو القوة يشير من جهة إلى القوة التى نشأ عنها النظام الكوني ومن جهة أخري إلى تماسك بنائه وثبات تلك القوة إلى " الأجل المسمى " لتبدل النظام كله ، وهو ما نص عليه القرآن بصراحة ( إبراهيم /48 ) ، ( الأنبياء /104 ) ، ليبدأ بعد ذلك خلق جديد ، ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) ( الأنبياء /104 ) .

ويحاول العلماء بأنواع من الاستدلال المبني على ملاحظة الواقع أن يتصوروا نهاية الكون بالمقارنة مع ما قد اكتشفه العلم من تاريخ تشكله وأحوال هذا التشكل ، والعلم قد انتهي إلى أن هذا الكون نظام بديع مخلوق ، له بداية منذ زمان سحيق ، وله نهاية أيضا ، بعد أن يعيش طويلاً ، ويتصورون أنه ستصحبه ظاهرات كونية مروعة كالتي صاحبت نشأته وهي تشبه ما يتحدث عنه القرآن ، هذا وكلام العلماء خيال بالقياس على ما تخيلوه لنشأة الكون ، أما كلام القرآن فهو أمور ستقع كما تحدث عنها ، ولا يعلم أحد إلى متي سيبقي هذا العالم ، لانه كما بدأ على نحو لا نعلمه فكذلك ستكون نهايته .

وأخيراً لا يصح أن يتصور أحد أن السماء خالية وأنها ليست إلا أجراماً تسير بحسب قوانين طبيعية حتمية والقرآن يشير الى أن السماء مسكونة ، وفيها كائنات يصفها بأنها " دواب " ، ومهما كان مفهوم لفظ " دابة " الذى نجده فى قول القرآن .

" ومن ءاياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة .... " ( الشورى /29 )
" ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون"( النحل /49).

ومفهوم " الدابة " هو كل شيء يدب أي له كتلة مهما كانت صغيرة ، وله حركته ، وقد ذهب بعض مفسري القرآن المتفلسفين الى أن السجود لله او التسبيح له لا يشترط فيه وجود " البنية " كما نتصورها فى عالمنا الذي نعيش فيه .

والآن ، فإن العلماء يتكلمون عما سموه " سلوك الكون " ، وهذا هو تعبيرهم عن أنه يمتد ويتسع ، أما من وجهة النظر الاسلامية فإن هذا الكون مخلوق " بالحق " وله أصله وقوانينه ومصيره ، ولكنه يدل بوجوده ونظامه وإحكامة على وجود صانعة ، وإذا كان القرآن يقول إن كل شيء فى الكون يسجد لله ويسبح بحمده فإن هذا هو سلوكه بحسب القرآن .

رسالة الإنسان ومعنى
حياته في الأرض


الآراء في الإنسان لا حصر لها، لكننا نصرف النظر هنا عن آراء مفكرين حطوا من قدر الإنسان أو لم يروا فيه إلا الجانب السلبي، ومنهم شعراء (أبو العلاء المعري) أو فلاسفة (الفيلسوف الإنجليزي Thomas liobbes) أو (الإلماني Nietzsche)، ونشير مجرد إشارة موجزة إلى آراء فلاسفة قدماء عذوا الإنسان غريبا عن هذا العالم (أفلاطون) أو حيواناً يتميز بالتفكير (أرسطو)، كما نشير إلي آراء عديدة لمفكرين رأوا جوانب إيجابية في طبيعة الإنسان، مثل بعض الشعراءو المفكرين الإيطاليين في عصر النهضة أو تفاءلوا بوجوده ورأوا فيه جوانب رفيعة (الشعراء الألمان: Goethe & Schiller .

لكن لابد أن نذكر من تصوروه كائناً طبيعيا، ليس له أصل علوي، ولا يمكن أن نفهمه إلا كجزء من الطبيعة (Paracelsusوهو أحد فلاسفة عصر النهضة الأوروبية) أو تصوره ذروة التطور فى عالم الحيوان (البيولوجي الإنجليزي Darwin " ومن تابعه).

ولابد أن نقول إن كل هذه الآراء وكثيرا غيرها لاتصور إلا جوانب في الطبيعة الإنسانية، ولا توجد نظرة متكاملة للإنسان إلا في الأديان المنزلة، لانها بوجه عام بينت أصل الإنسان ونشأته وحقيقته وطبيعته ومكانه فى الكون ومعني حياته على الأرض ومصيره بعدها ، وأنه ، خصوصا ، خلق أصيل غير مشتق من مخلوقات أخري كما يزعم أصحاب نظرية التطور .

لكن الأديان، وإن اتفقت أمور أساسية منها تميز الإنسان إلا أنها اختلفت فى التفاصيل ونحن من غير أن ندخل فى بحث آراء أهل الديانات الأخري ، نحب أن نشير فقط إلى أن الإنسان ، وإن كان بحسب التراث اليهودي الذى أخذت به المسيحية قد خلق " على صورة الرب " إلا أنه لا يبدو من نصوص التوراة أن ظهوره على الأرض خطة إلهية مرسومة لحكمة بل جاء ذلك بسبب معصية ، لأجلها طرد من الجنة إلى الأرض ليكفر عن خطيئته ..... ( سفر التكوين ، إصحاح 3 ، 6 ) .

أما القرآن فالأمر يختلف إلى حد كبير ، ومن وجوه أساسية ، فعلي حين نجد فى التراث الديني السابق قصة الإنسان يحكيها التراث ، نجد فى القرآن أن الله نفسه هو الذي يتكلم عن الإنسان ويخاطبه بصفة مستمرة . ثم إننا نجد في القرآن كلاماً كثيراً حول الإنسان ، وهو كلام متكامل من كل الوجوه ، ففيه خلق الإنسان وتسخير كل مافيه بسماواته وأرضه لمصالح حياته ( مثلاً لقمان /20 ، الجاثية /13 )

والقرآن يتكلم عن الإنسان فى فترة لم يكن فيها " شيئا مذكورا " ( الإنسان /1 ) ، ليس له شأن يذكر ، ولا أحداث فى حياته ، ويتكلم عنه بعد ذلك من حيث خلقه وما يصير إليه أمره من حمل المهام الكبري التى ألقيت على كاهله ، فيتكلم عنه فىحياته على الأرض : فى إيمانه وكفره ، وقوته وضعفه ، وأخلاقه وسلوكه مع الله ، وغروره وخيلائه ، لكنه يتكلم عنه فى جوانب جهاده وكفاحه فى سبيل رسالته . ويمكن أن نصل من آيات القرآن إلى نظرة كاملة للإنسان من كل وجه . ألفت كتب فى هذا الموضوع بالذات .

ويتميز القرآن خصوصاً ببيان أن الإنسان خلق " فى أحسن تقويم " ( التين /4 ) . وهذا يتجلي عند من ينظر فى الكون المتكامل فى الإنسان من الناحية العقلية- الحسية والناحية النفسية - البدنية. وفي القرآن أن الإنسان، من أول أمره وقبل هبو طه إلى الأرض، كان له العقل والقدرة والاختيار والاستعداد للطموح، بحيث يفهم بهذا كله معنى الأمر والنهي والتحذير والتنبيه، بحيث لا يستطيع أن يثبت على حال ثابتة لكنه يشعر بنتيجة النسيان أو الخطأ فيتذكر ويندم ، ويشعر بالحاجة إلى المغفرة والرحمة والله بحسب القرآن ، يعلمه ما يقوله ليتوب فيتوب عليه
( البقرة /35 ـ 37 ، الأعراف /23 ، طه /122 )

كل هذا وغيره ظاهر في القرآن في مواضع كثيرة، لكن يجب أن نبين حقيقة مجيء الإنسان إلى هذه الأرض، ونحن نجد بعد ذلك في عدة سور، منها مكية، "وواحدة مدنية، ونحن لا بد أن نكتفي بذكر بعض الملامح العامة، ففي سورة (طه/ 115- 120)، نجد أن إبليس يخدع آدم بأن يوهمه أن الشجرة التي نهاه الله أن يقربها هي " شجرة الخلد وملك لا يبلى "، وهنا كان آدم قد نسي التحذير أو النهي.

وفي سورة الأعراف/ 11- 24، نجد كيف استطاع إبليس أن يخدع آدم وزوجه معا، بأن كلمهما معاً، وأقسم لهما أنه مخلص في نصيحته وهنا نجد تهديد ابليس وتوعده بإغواء آدم . وفي " سورة الإسراء /62 ـ 65 ، وسورة الحجر /26 ـ 40 ، وفي سورة ص /71 ـ 85 ) ـ نجد أيضاً توعد إبليس بإغواء آدم وذريته .

أما في سورة ( البقرة/ 30- 39)، وهي مدنية، فنحن نجد القصة مجملة والخلطة الإلهية كاملة ، بحسب ترتيب الأحداث . وفي هذه الآيات ، بعد التمهيد فى السور السابقة التى تبين خلق الإنسان وطبيعته والإشارة إلى شأنه العظيم وعداوة إبليس له، نجد شيئاً جديداً يكشف خصوصاً عن الحكمة من خلق الإنسان وهي أن يكون بعد تدريبه خليفة في الأرض.

ومما يلفت النظر وله حكمة ، أن الله تعالى يبلغ خطته. للملائكة لآدم، لكي يتم تدريبه من غير أن يعلم حقيقة ما يراد منه آخر الأمر ، وذلك هو أن يعمر الأرض بإرشاد خالقه وينشيء عليها حضارة العلم والإيمان، والحكم بالحق والعدل، وإفاضة الخير والبر والرحمة.
فعلمه الله أولاً، وميزه بذلك علي الملائكة تمييزاً واضحاً خاصاً بمهمته ، وأسجد له الملائكة تعظيما لأمره، فامتنع إبليس مستكبراً ومغروراً بأنه خلق من عنصر آخر، ثم نجد انخداع آدم وتوبته وقبولها ثم الهبوط إلى الأرض تائباً مهدياً، لكي يستقر ويتلقى التعليم الإلهي الذي ينظم بمقتضاه حياته في الأرض، وهو تعليم يبين له كل شيء من حق وباطل أو خير وشر، لينهض برسالته في مقاومة الإغواء من جانب عدوه، فيتبين بذلك فضله علي سائر المخلوقات الأخرى التي، ليس لها ما للإنسان من استعدادات متنوعة ، ويؤدي رسالته باليقظة والثبات في مجاهدة نفسه والكفاح والمكابدة، ،في احتمال أعباء الأمانة الإلهية التي عهد الله بها إليه وبمقاومة خداع الدنيا وزخرفها أيضا وكل ذلك بفضل استعداداته واجتهاده بقدرته واختياره في اتباع الحق وإرا دة الخير.

وأحب الإشارة إلي أن مسألة الشجرة التي تتحدث عنها الأديان المنزلة ليست مسألة رمزية، كما تصور البعض، لأن جملة آيات القرآن تستبعد هذا التصور، فهناك شجرة، لكن من نوع يناسب ذلك العالم الذي هبط منه آدم ، ويناسب الطبيعة الأصلية لآدم هناك ، وهذا أمر طبيعي ، للاختلاف بين ذلك العالم وعالمنا الذي نعيش فيه ، وبحكم هذا الاختلاف يحسن أن نتأتي فى الحكم فى المسألة .

وأيضاً فإن مسألة "معصية آدم "، تحتاج هي الأخرى إلى تأمل. ففي سورة طه كان النهي عن الاقتراب من الشجرة أشبه بأمر تخيير لا بأمر تكليف، وهذا ما فهمه بعض المفسرين، ولم يكن مصحوباً بوضع عقوبة، بل بمجرد إشارة إلي ما سيلاقيه الإنسان من "شقاء" ومعاناة إن خدعه الشيطان فأكل من الشجرة واقتضى ذلك خروجه من الجنة.

ومن العجيب أن ذلك الشقاء من نوع رفيع، وأن العناء من نوع نبيل يحتمله الإنسان في النهوض برسالته السامية، وهي هذه الحضارة" العظيمة الفريدة التي أنشأها الإنسان على كوكبه الجميل، بخيرها وشرها، وهي حضارة القدرة والاختيار، والتكليف والمسؤولية، والحساب والجزاء في حياة أخرى تكمل بها حكمة الله وعنايته بالإنسان في أول أمره وفي نهايته.

ومن جهة أخرى فإن تفسير بعض الآيات الخاصة بخداع إبليس لآدم يدل على أن إبليس خدع آدم في أمر الحكمة من النهي عن الشجرة (الأعراف/ 20) وهناك عبارة أعتقد أنها لا زالت تحتاج إلي مزيد من التأمل، وهي قوله " فأزلهما الشيطان عنها" (البقرة/36) أي جعلهما يزلان عن الشجرة، ومعنى هذا أنه أوهمهما أنها شجرة الخلد وليست الشجر ة التي نهاهما الله عنها .

وإذا كان آدم كما يقول القرآن " نسي ولم نجد له عزما "(طه/ 115)، أي أن طبيعته لا تثبت في التصميم على الأمر مع يقظة وعدم غفلة، فماذا نسي آدم ؟، هل نسي النهي الإلهي أم الحذر من كيد إبليس أم الصفات والملامح المميزة لتلك الشجرة ؟ ومهما كان الأمر فإن الأكل لا يدل أبداً على التحدي الواعي للأمر الإلهي، وكل ما في الأمر أن آدم خدع أو طمح إلى شيء لم يحذره الله منه بصراحة، وإنما حذره أن يكون من " الظالمين"، أي الذين يتعدون حدودهم .

وفي القرآن أن الإنسان. " ظلوم "، وهو " ظالم لنفسه "أحيانا ولغيره أيضاً، وهذا ينشأ من طبيعته المتعددة الجوانب والاتجاهات والعلاقات في الحياة المعقدة علي الأرض.

فالأكل من الشجرة لم يكن معصية بالمعني الحقيقي الكامل كما نتصوره، بمعنى الطموح لشيء تصور آدم أنة خير له أو بمعنى عدم اتباعه لما كان خيراً له وأولى به ، من تجنب المعاناة، وذلك لو امتثل للتوجيه الإلهي، وإذا كان النهي عن الأكل من الشجرة علي سبيل الاختيار والتدريب للمهنة المقبلة، وكان ذلك جزءاً من الخطة لتدريبه وتربيته علي يد الخالق، فأين هي المعصية بمعناها الذي فهمه الناس؟ وإذا كان القرآن لا يذكر عبارة "معصية آدم " و يكتفي بأن يقول "وعصى آدم ربه فغوى "، فإن معنى ذلك بحسب جملة آيات القرآن أن آدم لم يراع راحة نفسه، وأوجه ما عند المفسرين، مثل الرازي واليضاوي، أن آدم خالف أمراً لا يخص أمراً واجباً، بل مندوباً، ومعنى أنه "غوي " أنه ضل عن الرشد وعن مطلوبه، وهو الخلد، أما النعي عليه بأنه عصى، مع عدم ارتكابه جريمة حقيقية، فهو تعظيم للزلل وزجر بليغ لبني آدم من بعده ليحذروا فتنة الشيطان، وكل ذلك وقع لآدم قبل النبوة وقبل التكاليف بما يجب على الإنسان في الأرض.

ويستلفت النظر قول القرآن: فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة "، فهو دليل على أول شعور إنساني نبيل وعظيم، وهو الحياء، وهو دليل أيضاً على أن الأمر لم يزد على الأكل من الشجرة، فلا يصح، بحساب القرآن، أن يتصور بالمعني المتبادر إلى الذهن من المسألة كلها.

وعند التأمل الكافي في المسألة بدقة نلاحظ أنها كانت إعداد، آدم لمهمته علي الأرض، وأن كل ما في الجنة قد تكرر في الأرض: الإرشاد الإلهي بالشرائع وما فيها من أمر ونهي، والغفلة إلى حد النسيان، والخطأ عن غلبة شهوات الدنيا ، والانخداع بزخرفها ، والندم وحتى إبليس وكيده عند ذلك تتبين الحكمة العظيمة من إبراز مرتبة الإنسان فى الوجود بما له من استعدادات رائعة ليؤدي فى الأرض رسالة فريدة ، فيصل باجتهاده فى اتباع الإرشاد الإلهي إلى الفوز بحياة الخلود بعد هذه الحياة .

فليست هناك مأساة إنسانية يمكن التحدث عنها ، وأين توجد حكمة أعظم وأخفى من الحكمة فى خلق الإنسان وإسناد أعظم رسالة وأكبر أمانة إليه ، ليؤديها ؟ ، إن الخالق العظيم أظهر مرتبة الإنسان ، وهو المخلوق العظيم الذي سخر الله له ، لكي يؤدي رسالته ، ما في السماوات والأرض .

السنة الإلهية في تغير
الدول والحضارات


تدل آيات القرآن في جملتها علي أن الإنسان قد جاء إلى الأرض مؤهلاً لتدبير أمور الحياة على هذا الكوكب، وهذه هي سياسته الإنسانية، وهو الذي يؤسس الدول وينشىء الحضارات ويحملها في نفسه ويصنعها فيما حوله بفكره ويده، وتدل آيات القرآن على أنه ما دام الإنسان سليماً في نفسه باتباع الهداية الإلهية التي جاءت بمبادىء يصلح بها حال الفرد وتنتظم بها حياة المجتمع، فإن الراحة والسعادة تتحقق للجميع، وكذلك تبقى الدول وتزدهر الحضارات. أما إذا فسد الإنسان في نفسه، في فكره وسلوكه وبدنه، واختل نظام حياته فإنه لا بد أن تسري عليه قوانين السياسة الإلهية التي تأمر بالحق والعدل وسلوك طريق الخير وتحرم الانحراف إلى الظلم والجور والفساد في الذات وفي نظام الحياة.

وإذا كان هذا التغير يتم بحسب النظام الشامل الذي وضعه الله، وفيه إمكان فعل الخير وإمكان فعل الشر، إلا أن القرآن صريح في أن الإنسان هو الذي ينفذ السياسة الإلهية، وهو الذي قد يستقيم باجتهاده عن طريق الحق وقد يعرض نفسه بالتقصير والهوى إلى أن يحق عليه قانون العدالة الإ لهية، تحقيقاً، لمبدأ اشتمل علية القرآن وعبر عنه الحديث بعبارة. " بالعدل قامت السماوات والأرض " .
وتكذيب الرسل والتمرد على ما جاؤوا به من الهداية الإلهية الحكيمة ليس بالأمر المقبول، بعد أن منح الله بني آدم العقل والإرادة والتميييز بين الخير والشر في داخل ضمائرهم وإدراك آثار ذلك في نظام الحياة، وكذلك بعد أن منحهم القدرة على السيطرة على ميولهم ورغباتهم المنحرفة لكي يسيروا إلى ما فيه خيرهم وصلاح أمورهم في هذه الدنيا ثم السعادة فيما بعدها.

وقد أكد القرآن أن الحياة الإنسانية على الأرض ليست عبثاً بل هي حكمة إلهية وإرشاد إلهي وتكليف برسالة عظيمه بينها الله لهم : " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لاترجعون * فتعالي الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم " ( المؤمنون /115 ـ 116 ) .

" وما خلقنا السمــــاء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار " ( ص : 27 ـ 28 )

ولذلك فإن القرآن يؤكد العقاب الإلهي للمكذبين للرسالات الذين يتصرفون في حياتهم بالهوى، " ويعبثون بأنفسهم وبأفكارهم على مستويات من العبث. وكثير منهم يفسدون في الأرض وفي نظام الحياة حتى بدأوا يعتدون على وجود الإنسان فى عقله وبدنه، وهذا ظاهره من تطور حضاتهم وسلوك الكثيرين منهم .

ولذلك فإن القرآن فى كثير من آياته يحض على السير فى الأرض واستقراء التاريخ والاعتبار بما جري للمكذبين وللدول القوية التى انفرضت والحضارات البائدة التى لم تبق إلا آثارها المادية ، تدعو إلى العظة والاعتبار ( الأنعام / 11 ، النحل /36 " ( أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ( الروم9).

" وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " ( هود /117 )
وتدل آيات القرآن على مختلف العوامل التى أدت إلى رفض الهدايات الإلهية، ومنها الكبر
( الأعراف /36 ، إبراهيم /15 ، غافر /56 ) ، والغرور بعلم زائف ( غافر /83 ) ، أو " الهوى " الذي هو رمز كل تلك الميول والشهوات التى لاتستند إلى عقل أو إرشاد ، لا فى حياة الفكر ولا فى أسلوب الحياة .

ومن تلك العوامل الترف الذى يؤدي إلى الاستغراق فى الشهوات والغفلة عن التفكير فى المصير وإلى تكذيب الرسل وإلى الجمود على تراث الآباء ( مثلا الزخرف /23 ، سبأ /34 ) ، وينشأ عن الترف مع التكذيب والغفلة الفسق والفجور .

" واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين " ( هود /116 ) .

وهذا الترف بآفاته التى تصيب البشر فى أبدانهم وأنفسهم وعقولهم هو الذى يدمر الدول ويقضي على الأمم وحضاراتها .

ويحسن أن نشير إلى أنه فى ضوء آيات الكتاب الحكيم " وضع ابن خلدون في مقدمته نظريته فى عمر الدول والحضارة وآفاتها وبين أن الظلم يدمر العمران وأن ترف الحضارة يعجل بانتهائها "

وهذا ما يشير إليه القرآن بقوله : " إن الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم " ( الرعد /11 )

وكذلك قوله :
" وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً "
( الإسراء /16 )

والمقصود أن الله يأمرهم بما يجب عليهم من العدل والاستقامة على طريق الخير فيحجب الترف ، ومعه الشهوات ، أبصار قلوبهم ويشل إرادتهم عن فعل الخير فيحق عليهم قانون زوال الحضارات .

على أن ترف الحضارة ، بعد الإعراض والكفر بنعمة الله ، قد تؤدي إلى التراخي والإهمال فى المحافظة على الحضارة بالعمل فتتضافر عوامل الانهيار ، كما اشار القرآن إلى ذلك بكلامه عن حضارة سبأ ، ( سبأ / 25 ـ 17 ) .

وهذه قاعدة عامة تنطبق على الصالحين إذا فسدوا وعلى المفسدين إذا صلحوا ، لأن الحضارة فى تغيراتها تتوقف إلى حد ما على أحوال أصحابها ، وهذا بوجه عام ، والسياسة الإلهية فى تدبير أمور البشر فى هذه الدنيا تجري على سنه أشار إليها الله تعالي بقوله فى حق الذين يعرضون عن الهداية الإلهية وما ينزل بهم من العقاب الإلهي : " سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا " ( الأحزاب /62 ) ، وقوله عن الذين أعرضوا عن الهداية الإلهية .

" استكبارا فى الأرض ومكر السيء ولايحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلاً " ( فاطر /43 ) .

على أن أكبر ما يهدم الدول ويقضي على حضاراتها هو الظلم الذي يفسد كل شيء ، ومنه ظلم الإنسان لنفسه بانحرافه عن الحق إلى الفساد بكل أنواعه وإلى الكفر الذى هو بحسب القرآن " ظلم عظيم " ، ومن الظلم ما يصيب الأبدان بأمراض لم تكن موجودة بسبب الانحراف عن السلوك الجنسي السليم ، ولكن منه خصوصاً ظلم طوائف الشعب بعضها لبعض بسبب الاحتكار الذي يؤدي إلى ارتفاع فاحش فى الأسعار ، وكذلك ظلم الدولة للشعب بما لها من القهر والسلطان النافذ عليها سنه الله وسياسته في تأديب الظالمين ، فلاتبقي إلا بيوتهم ومساكنهم مهجورة .

يقول القرآن عن المكذبين المتآمرين على الأنبياء من قوم ثمود بعد تدمير حضارتهم : " فأصبحوا لايري إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين " ( الأحقاف /25 ) ، ويقول عن المكذبين من قوم عاد : " فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن فى ذلك لآية لقوم يعلمون "
( النمل /52 ) .
لكن سنة الله فى تغييرالدول وزوال الحضارات لاتحيد عن العدل :

" وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ( العنكبوت /40 ) .

وإذا كانت القاعدة هي أن القدرة الإلهية تعاقب القرى الظالمة فتبقى بعض آثارها، من "بئر معطلة وقصر مشيد " (الحج/ 45)، لكن الله قد ينذر القرى الظالمة ويمهلها حتى إذا استمرت في ظلمها أخذها بالعقاب الشديد:

" وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القري وهي ظلمة إن أخذه أليم شديد " ( هود /102 )

على أن العقاب الإلهي قد لايكون بانحلال الحضارة ودولها من داخلها فحسب ، بل قد يكون أيضاً بواسطة قوي طبيعية مثل إهلاك قوم عاد " بريح صرصرعاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فتري القوم فيها صرعي كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل تري لهم من باقية " ( الحاقة /6 ـ 8 ) وقد يكون العقاب بالغرق والسيول الجارفة ( سبأ /116 ) ، أو غير ذلك من الآفات أو بعض الحيوانات الضارة ( الأعراف /133 ) ، لكن من غير ظلم " فكلا أخذنا بذنبة "،( العنكبوت /40،آل عمران /11 ) .

لكن العقاب الإلهي قد يكون بتسليط بعض الظالمين على بعض،فيذيق بعضهم بعضاً آلاماً كبيرة وطويلة، كما وقع من الحروب بين الدول التي ظلمت غيرها فسلط الله عليها من يصنع بها ما صنعت بغيرها، وهذا ظاهر في التاريخ الحديث في الدول التي تنافست في ظلم الشعوب ثم تحاربت فيما بينها، وذاق بعضها بأس بعض، وهذا من معاني قوله تعالي : " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون " ( الأنعام /129 ) .

يظن الكثيرون أن سير التاريخ في يد أفراد من ذوي الطموح أو في يد دول قو ية تريد أن تفرض حكمها على الأمم بالبغي والعدوان، لكن استقراء التاريخ يدل على أنه لا بقاء لفرد مهما كان قوياً ولا لدولة مهما كانت واسعة النطاق. وأن ذلك كله انهار أمام التاريخ ونفسه الطويل وأن الأمور والسياسات والمصائب كلها بيد القادر الشاملة والتدبير الإلهي.


وقد يكون ما يصيب الأمم ذات الرسالات الإلهية التي تريد إحقاق الحق، وتحقيق العدل ابتلاءً واختباراً من الله، في معركة الصراع بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، والخير والشر في هذه الأرض، لكن يبقى سير التاريخ، في يد الله الذي (إليه يرجع الأمر كله) (هود/123).

ومن أصدق ما قيل عن مجري التاريخ عبارة للمؤرخ الألماني Leopold von Ramke ( ت 1886 م.) ، بعد طول تأمل وتحليل للأحداث الكبرى بحسب العصور :

" إن كل حقبة من التاريخ ترجع الي التدبير الإلهي مباشرة "

وإذا كان العرب أول المخاطبين بهذا القانون الإلهي الذى يحكم مجري التاريخ ، فإن الله ينبههم إلى أن يسيروا فى الأرض ليروا عاقبة المكذبين ، ويقول فى الآثار الباقية لمن دمرهم سوء عملهم ، وهم قوم لوط " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل أفلا تعقلون " ( الصافات /137 ، 138 ) .

ولله فى تدبير أمور البشر حكمة ، ولها أسرار لا يدركها البشر ، وإن كانوا يرون عواقبها .

.
.
نــوف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2005, 03:13 AM   #5
نــوف
رائحــة الـورد
 
الصورة الرمزية نــوف
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 2,902
افتراضي




الجزء الثالث

تمهيد : ـ

الحق والخير والجمال ، قيم إنسانية سامية دار حولها الفكر البشري فى الدين والفلسفة وفى العلم أيضا.

وكل واحدة منها تناسب جانبا جوهريا فى الطبيعة البشرية ، كما أنه أصبح من حيث المنهج ومجال البحث موضوعا لعلم وفلسفة . فالحق هو هدف العقل فى بحثه عن العلم والمعرفة على مناهج التفكير الصحيح ( المنطق ومناهج البحث فى العلوم )، والخير هو الرمز لإرادة السمو فى السلوك الإنسان ي علم الأخلاق والفلسفة الخلقية ، والخير وأن كان أمرا يتصوره الفكر إلا أن فى الإنسان حاسة خاصة تشعر بقيمته وأما الجمال فهو أمر تدركه النفس وتبتهج به من غير تحليل عقلي ولا تعليل أكثر من أن الجمال هو الجمال وأن إداركه لذه وسعادة نفسية .

وهذه القيم ارتبط بعضها ببعض فى تاريخ الفكر الديني والفلسفي وبعضها صار يوصف ببعض ، فالحق خير وجميل ، والجمال حق وخير وقد أدي البحث فى هذه القيم إلي تجأوز الواقع المحسوس والارتفاع إلي آفاق أعلي تلتقي كلها فى المصدرالعظيم للوجود بكل ما فيه وكل صفات ما فيه ، لأنها كلها من صفاته كما سنرى .
كانت للحق معانية عند العرب قبل الإسلام ، وقد ذكرنا ذلك فى كلامنا عن أثر القرآن فى الحضارة الإنسانية وكان الغالب على مفهوم الحق أو الطابع العملي لأن العرب قبل الإسلام لم يكونوا أهل أبحاث نظرية أو فلسفية ، وإنما كان عندهم إدراك طبيعي للقيم التى أحسو بها ، وفرضتها عليهم ظروف الحياة فلما أنزل الله القرآن جاءت فيه مفهومات جديدة للحق من حيث نوع المفهومات ودرجاتها هذا كما أنه لم يقتصر على الحق فإنه شمل الخير والجمال أيضا والمتأمل فى القرآن يري أن آياته كلها تدور حول الحق بكل جوانبه وفى كل مجالاته ونحب أن نشير أولا إلى أن كل ما جاء به الرسل والأنبياء فهو حق مثلا ( البقرة / 213 ) ثم أنه إذا كان الله تعالي يقول فى القرآن : " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) الإسراء 105 ) وأنظر المائدة /48 ، فإنه يشير أيضا إلي أن الحق الذي جاء به القرآن قد اشتمل على كل ما سبقه من حق سواء القضايا الكبرى فى أمور الاعتقاد والإيمان ، أو أحكام الشريعة وتدبير أمور الحياة أو فيما حكاه من قصص الرسل والأنبياء، ويشمل خصوصاً العلم بهذا الكون من جميع الوجوه وذلك فى أحكام كلية تشمل كل ما فيه من أشياء وظاهرات لأن دراسة هذا الكون هو السبيل إلي الاستدلال على وجود الله والحق أن القرآن قد اشتمل على كل حق يعني الإنسان ويخطر لفكره أو يحتاج إلى معرفته : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) ( النحل /89 ) ولما كان القرآن قد بين ما جاء بالأدلة والبراهين على صدقه وصدق ما فيه فإن الله يخاطب رسوله بقوله ( فتوكل على الله إنك على الحق المبين ) ، ( النمل /79 ) .

ثم إنه إذا كان الله وحده هو الذى له دعوة الحق ( الرعد /14 ) ، فهو وحده الذى يبين الحق يقول الحق " الاحزاب /4 " ( وهو الذي يقضي بالحق ) ( غافر/20 ) ومن يريد أن يدرس الحق فى القرآن ، أو يدرس الخير أو غير ذلك من مفهومات عامة ، فإن عليه أن يستقري آيات الكتاب الحكيم ، ويتبع المفهوم فى أنواع السياق ، وعند ذلك تتبين له الوجوه العديدة لما فى القرآن من مفهومات . ونحن نحب أن نكتفي بإشارات موجزة لبعض ما يدل عليه مفهوم الحق ومن ذلك .
الحق النظري : ـ
الحق فى مجال البحث النظري ، أعني البحث العقلي فى مسائل العلم والمعرفة ، هو العلم بمعناه الصحيح وهو يشمل كل شيء ، وأعلاه العلم بوجود الله تعالي وهو " الحق الأول " الذي هو علة كل حق ، أعني مصدر وجود الأشياء كلها ، كما عبر أول فلاسفة الإسلام ( الكندي ) متبعا ألفاظ القرآن . وإذا كان القرآن يقول مشيرا إلي الذين اتخدوا من دون الله آلهة ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ( لقمان /30 ) ، فإن " الحق " هنا هو الله تعالى وهو " الحق المبين " ( النور /25 ) أي الثابت بذاته الذي دل العقول على ألوهيته وقدرته وحكمته بهذا الصنع العظيم الذى نراه ، وعلي هذا فإن من أسمائه تعالى الحق، وعندما يذكر المسلمون هذا الاسم يضيفون إليه فيقولون الحق تبارك وتعالي تم لما تطور الفكر بعد ذلك ، وظهر البحث فى الوجود من حيث هو وجود، وفى أقسامه ظهرت تسمية الوجود الحق أو واجب الوجود بذاته وهذا ما نجده عند مفكري الإسلام من فلاسفة وعلماء صوفية وجملة علماء الدين ، وذلك فى مقابل هذا الوجود الحادث الزائل الذى نراه هو وغيره مما لا وجود له فى الحقيقة إلا بالاستناد إلي الوجود الحق .

وفى القرآن أن الحق هو نفاذ حكم الله وأمره وإرادته وهذا هو معني قوله مثلا " كذلك حققت كلمة ربك ( يونس /33 ) ، أو قوله عن تدمير قرية الفاسقين ( فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) ( الإسراء /16 ) ومن ذلك دقائق فى التعبير القرآني مثل نسبة نفاذ الأمر الإلهي إلي المخلوقات فى نحو قوله تعالي ( إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت ) ( الانشقاق /1 ـ2 ) أي أن الأمر الإلهي حق عليها ونفذ .

على أن لفظ ( الحق ) يشير أيضا إلي العلم الصحيح بوجه عام ومن ذلك ما تدل عليه آيات القرآن التي هي ( آيات بينات فى صدور الذين أو توا العلم ) العنكبوت (49 ) ، وهم الذين بفضل ما عندهم من ( العلم ) يعلمون أن ما جاء فى القرآن هو الحق ( الأنعام /114 ) .

وكل من الحق والعلم فى القرآن يقابل الظن والحكم بالهوي ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا )
، يونس /36 والنجم /28 ) ( وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) ( الجاثية /24 ) ، ولذلك نجد أن إحدي الكلمتين تأتي فى محل الأخرى ( مثلاً آل عمران /61 يونس /94 ) وهذا يدل فى إصطلاح القرآن على أن ما ليس حقا فهو ليس علما وأن ما هو علم فهو حق وكما وما عدا ذلك فهو ظن أو خطأ بل جهل .

ومن معاني الحق فى القرآن أنه القاعدة العامة أو القانون الشامل الذى بحسبه أظهر الله تعالي نظام المخلومات كلها وهذا ما نفهمه من آيات كثيرة فى القرآن تؤكد أن الله خلق كل شيء بالحق مثل ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لايعلمون ) (الدخان /38 ، 39 ) ( الروم /8 ) ونحن عندما نستقريء قوله ( الحق ) فى آيات القرآن نجد أنه يدل على الحكمة والغاية والقانون المطرد الذى يمكن أن نستلخصه من الطبيعة التى سخرها الله لنا ، فنعلم طبائع الأشياء ونستخدمها فى مصالح حياتنا ونعرف مجرى قوانينها ونرتب أمورنا بحسبها من ذلك قوله تعالى : ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) ( الجاثية /13 ) وقوله : ( هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عند السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون) ( مثلا : يونس /5 ) .

وقد نجد مفهوم " الحق " وصفا لأمور منها مثلا وصفه لقيام " الساعة " ( يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ( ق /42 ) ولذلك فإن الساعة تسمي الحاقة ) بمعني أنها ستتحقق وأنها ( ءاتية لاريب فيها ) الحج /7 ) .

وفيها ستحق الحقوق ، ونجد اللفظ وصفا لتحقق الصفة أو الحال على الوجه الأكمل ، ومن ذلك قوله تعالي فى وصف عباده الذين تهتز مشاعرهم إذا سمعوا ذكر الله أو سمعوا آياته ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ( 2 ) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( 3 ) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ( 14 ) ( الأنفال /2 ـ 4 ) .

الحق العملي : ـ

أما من الناحية العملية فإن مفهوم " الحق " هو : " الحكم بالعدل " أي بحسب القانون ، وهذا ما يدل عليه قوله تعالي : ( يا داود إنا جعلناك خليفةً فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) ( ص /26 ) .

حقوق متبادلة : ـ
لما كان الله تعالى قد منح عباده العقل والقدرة والاختيار وبين لهم رسالتهم فى الأرض وأرسل إليهم الرسل والأنبياء فأرشدهم إلي ما يريده منهم .

فإن له حقوقا عليهم، وهي أن يتبعوا ما جاءهم من عنده أول ذلك أن يتفكروا فى صنعه فيعرفوه ويعبدوه ولايشركوا به شيئا ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل كلمته وأن يؤدوا كل مافرضه عليهم ويتخلقوا بكل فضائل الدين وآدابه . وقد أحسن أحد علماء الإسلام بأن عبر عن ذلك بأنه الرعاية لحقوق الله ، وهذا عنوان كتاب للصوفي الأخلاقي الحارث بن أسد المحاسبي " ( ت 243 ـ، 857 ) وفى مقابل ذلك فإن للمومنين المجاهدين حقوقا على الله ، وهو سبحانه وتعالي قد بينها بنفسه فى أكثر من آية، وأنه سيفي بما وعدهم من حسن الجزاء والتأييد فى أداء رسالتهم، ( إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ( التوبة /111 )، والله يقول أيضاً: ( إنا لننصر رسلنا والذين ء امنوا في الحيوة الدنيا ) ( غافر /51 ) ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (121 ) ( المجادلة /21 ) ، ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47 ) ( الروم /47 ) .

حقوق يؤديها المتقون : ـ
وفى القرآن حقوق الغير ومنها ما هو بوجه عام ملزم فى معاملة المؤمنين بعضهم لبعض ، وهو العدل والإحسان ومنها ماهو مفروض لابد من الوفاء به مثل حقوق الميراث ومنها بعد ذلك ما يكون من الأخلاق التي تدخل تحت مفهوم البر وهو التوسع فى الخير ، وهي حقوق كثيرة يؤديها أهل التقوي أو " المحسنون " ومن ذلك حقوق لذوي القربي والمساكين والسائلين المحرومين، وهذا فيما عدا الحقوق المفروضة، ومهما أكثر الإنسان من أنواع البر فإنه لا يكون مسرفا ومن أرفع صفات المؤمنين الإيثار حتى مع احتياج الإنسان لما يقدمه لغيره وآيات القرآن فى ذلك كثيرة ( آيه البر التى فصلت أنواعه ، البقرة /177 ، والإسراء /26 ، المعارج /24 ـ 25 ) سيأتي مزيد من الكلام فى ذلك عند كلامنا عن الجمال فيما يلي .

الحق قوة غالية :
والقرآن يؤكد ما للحق من قوة قاهرة ، ويبعث الثقة فى قلوب أهل الحق ، وذلك بقوله لرسوله (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) ( الإسراء /81 ) القرآن يتحدث عن قوة الحق وأنه شبيه بالقذائف القوية التى تدمر ما يقف أمامها من أباطيل يقول الله ( قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب ) ( سبأ /48 ) ، ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ...) ( الأنبياء / 18 ) .

وإذا كان القرآن يقدم الأدلة العقلية على ما جاء به من الحق ، فإنه يضرب أمثالا كثيرة لبيان شأن الحق وثباته ومنفعته فى مقابل ضعف الباطل وضرره، ونحب أن نلاحظ أن الأمثال القرآنية فى هذا الباب ليست مجرد أمثال أو تشبيهات بل هي لغة يدركها العقل ويفهمها العلماء، ومن أروع الأمثلة ما نجده فى سورة الرعد / 17 ، فى المقارنة بين الحق والباطل، ونحن نهيب بالقاريء أن يقرأ ذلك ويطيل التفكير والتحليل لما اشتملت عليه تلك الآية لأن أمثال القرآن تحتاج إلي التفكير، ولذلك ينبهنا القرآن إلي التأمل فى دلالاتها:( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) ( الحشر /21 ) ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) ( العنكبوت / 43 ) ونظرا لكل هذا المعاني التى نجدها في القرآن وكلامه عن الحق فإن علماء الإسلام ،وفلاسفته بحكم تعلمهم وحفظهم لكتاب الله، من أول أمرهم ،قد أنطبعت عقولهم بمفهوم الحق فجعلوا اقتناءه غاية لهم ، وراوا فيه "كمال النوع الإنسان ي "كما عبر الكندي ووجدو فى معرفة الحق واقتناء العلم لذة روحانية عالية ، والشواهد على ذلك كثيرة ونكتفي بعبارات قصيرة لبعض كبار علماء الإسلام مثل : قول أبي الريحاني البيروني ( ت 440 هـ 1048 م ( إن الإنسان يمس للصدق ومعرفة الحقيقة لذة إلي جانب الاعتقاد بها ) "كتاب مقولات الهند " .

ـ وقول أبي الحسن الماوردي( 450 ـ 1058 ) ( العلم عوض من كل لذة ومغن عن كل شهوة "
( أدب الدنيا والدين ) .

الخير : ـ
والخير أيضامن المفهومات العامة ، وله فى القرآن معانية العديدة بحسب درجات الخير ، ومن ذلك خيرات هذه الدنيا وما فيها من أنواع المتاع ، وهي الخيرات الزائلة وهي وإن كانت نعما حقيقية من الله تعالي تستحق الشكر العظيم ، إلا أن القرآن يريد منا أن نسيطر عليها ، بحيث لاتستولي علي قلوبنا ، ونحب أن نلاحظ أن الله تعالى فى القرآن لا يسمي أنواع المتاع الدنيوي المادي بأنها خيرات بل شهوات حتي ما يتعلق منها بالعواطف الإنسانية ودليل ذلك قوله تعالى ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب ) آل عمران /14 )

فها نحن أولاً نرى أنواعاً من السعادة الحقيقة للإنسان وهي حياة الأسرة وما فيها من المحبة والأبناء والأموال .... الخ لكن ذلك كله " متاع الحياة الدنيا " ومتاع الدنيا قليل ( النساء /77 ) ، وذلك بالمقارنة بنعيم الحياة الأبدية ( آل عمران /15 ) .

والإنسان يقف بحسب القرآن موقف الاختيار ،فهو إما أن يختار الحياة الدنيا وزينتها " وإما أن يفضل الخيرات الحقيقة فى الآخرة وهو فى الحالين يستوفي ما تتجه إليه إرادته ( هود /15 ، الإسراء /18 ـ 21 ، الاحزاب /28 ـ 29 ) لكن بما أن الله أنعم على الإنسان بهذه الحياة الدنيا فإنه يريده أن يتمتع بزينتها وطيباتها دون حرج ، وكل ما عليه هو أن يشكر الله ويعمل صالحا وأن يتجنب ما يؤاخذ عليه عند الحساب ( البقرة / 172 ، الاعراف /32 ، المؤمنين /51 ) .

لكن على الإنسان العاقل أن يفكر ويطمح دائما إلي الحياة التى هي خير وأبقي (الأعلي /17 ) ، والسبيل إلي الحياة العليا هو الخير بالمعني الذى جاء فى القرآن ، وهو ما فرضه الله على الإنسان من العبادات والطاعات والبر والخير .

بهذا المعني يشمل كل فضائل الدين ، والفضائل الاجتماعية ، ويدخل كله تحت مفهوم " العمل الصالح " والله تعالى يقرن فى القرآن دائما بين الإيمان والعمل الصالح ( البقرة / 62 ، المائدة / 69 ، مريم /60 ) كما يدخل تحت مفهوم " الباقيات الصالحات " التي هي خير عند ربك ثوابا وخير أملا " ( الكهف /46 ) ، أي أنها أعظم أجرا وأوثق ما يمكن أن يعلق عليه الإنسان آماله فى السعادة الكاملة .

وإذا كانت الخيرات درجات كما تقدم القول فإن فى القرآن مفهوم ( أعظم الخيرات كهلا ،ونحن ندرك هذا إذا عرفنا أن خيرات هذه الدنيا هي على قدرها وأن خيرات الحياة العليا أعظم بكثير ، لكن الخيرات كلها من الله وهي من مخلوقاته ومهما كان أمرها فإنها تعود على الإنسان فهي منفعة ذاتية له ،لكن هل الخير الحقيقي هو ما نحبه لنسعد به أنفسنا ؟ ام هناك خير أعظم هو مصدر كل خير كما أنه مصدر كل حق، وهو الخير المطلق الأعظم الذي نعرفه عندما ننظر فى هذا العالم فيدلنا على خالق الأشياء كلها ، خالق الدنيا والآخرة الذي له الكمال والجلال، والإكرام وعند ذلك ماذا يكون موقفنا؟ هل يمكننا أن نزعم أن خيرات الحياة الدنيا ، وحتي خيرات الآخرة خيرات مطلقة فى ذاتها ؟ وبلا قيد أو شرط ؟ أم هي خيرات بالنسبة إلينا، وبالنسبة فيما بينها، لكن خالقها هو الخير الحق ،ولذلك فإن أولئك المصريين الذين آمنوا بموسي بعد أن أظهر الآيات الدالة على رسالته وبعد تهديد فرعون لهم قالوا له :
( لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ( 72 ) إناء امنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقي ) ( طه /72 ـ 73 ) .

والناس فيما يتجهون إليه طوائف منهم من يجعل همه حب المال والجاه ، ونعيم الدنيا ، وهؤلاء غافلون عن الخير الحقيقي، ومنهم أذكياء يوازنون بين نعيم الدنيا وبين النعيم المنتظر بعدها ، فيختارون ما هو أحسن وأعظم، لكن هناك طائفة أعلي، وهم الذين ينظرون إلي الدنيا والآخرة من جهة، وإلي خالق الدنيا والآخرة من جهة أخري ، فلا تتعلق قلوبهم بشيء من ذلك إلا لأنه من الله ، وهم يذكرونه فى كل أحوالهم ، ويرجون لقاءه ورضوانه ، وخصوصاً مشاهدة ذاته العلية، وهذه هي : " رؤية الله " التى لايمكن أن نتصورها بخيالنا ولا حتي بعقلنا لأنها انكشاف معرفة عليا تفوق تصورات العقل بما لا نهاية له ، كما أن تصورات العقل تفوق إدراكات الحواس من حيث النوع والدرجة ، والمؤمنون جميعا فى الديانات المنزلة ينتظرون السعادة العليا بتلك المشاهدة ، وهي الخير الأعظم الذي يجب أن يتجه إليه الإنسان فيما يبغية من سعادة ، كما أن الله تعالى هو الحق وله الجمال الأعلى كما ستري .
القاعدة العامة بالنسبة لسلوك المؤمن نحو ما يتجه إليه هو قوله تعالى : ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ... ) معني هذه المبادرة هو أن نقصد ما هو أحسن وأفضل ولا ننسى أن لفظ الخير يدل على ما هو خير وفى الوقت نفسه فهو صفه تدل على ما هو أفضل لكي يختاره الإنسان الذى يطمح إلي الكمال وإلي التكامل بما هو أعلي وأفضل .

معرفة الخير والشر : ـ
يحق للقاريء أن يسأل : كيف يعرف الإنسان ما هو خير وما هو شر بحسب القرآن ؟


هنا يحسن أن نلاحظ أن الله تعالى من أول الأمر علم الإنسان ،و بين له رسالته فى الأرض وتولاه دائما بهدايته، والقرآن يقول على كل حالL وإن من أمة إلا خلا فيها نذير )
( فاطر /24 ) ، وهذا حكم عام يدخل فيه الرسل والأنبياء وكل من أرشد الناس إلي الخير عند عدم وجود الهداية الإلهية .

لكن الاراء كثيرة فى تحديد المصور لمعرفة ما هو خير وما هو شر : بين من يقول : إن واقع الحياة يعلم الإنسان ما ينفعه أو يضره وما يسعده أو يشقيه، وبين من يقول : أن العقل هو الذى يميز الخير من الشر، أو يقول أن فى الإنسان حاسة خلقية Moral Sense يدرك بها ما هو خير ويبعث فى نفسه التقدير ، والاحترام وما هو شر ترفضه الحاسة وتستنكره ونحو ذلك من الاراء .
أما القرآن فهو يقول بكل وضوح أن الله خلق الإنسان فى ( أحسن تقويم ) ( التين /4 ) ، فهو بفطرته يدرك ما هو خير وما هو شر ، وهذا ما يدل عليه قوله تعالي ( ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكها وقد خاب من دسها ) الشمس /ـ7 ـ 10 ) . وهذه الآيات تدل على التمييز الفطري وتحض على فعل الخير، وترك الشر .

كما يقول القرآن فى سياق ما أنعم الله به على الإنسان من ملكات ( وهديناه النجدين ) ( البلد / 10 ) ، والمقصود هو الطريق الواضح لمعرفة ماهو خير وما هو شر فإذا كان الإنسان يحتاج إلي معرفة الخير الحقيقي الكامل ولا سيما ما يتعلق بالقيم الكبرى والأهداف العليا للحياة الإنسانية ، فإنه يحتاج إلى الهداية الإلهية لكن ذلك يأتي دائما متفقا مع الحكمة وسلامة نظام الحياة فى الحياة الدنيا والسعادة فيما بعدها .

والإنسان بما فيه من استعدادات أخلاقية وعقلية يدرك وجود الحكمة فيما يأمر الله به وينهي عنه وهو إذا كان سليم الطبع فإنه بفطرته يؤكد ذلك ومن هنا نفهم قول الله تعالي فى حق أهل البر والخير أنهم يفعلون ذلك ( ابتغاء مرضات الله، وتثبيتا من أنفسهم ) ( البقرة /265 ) وعلى أساس ما جاء فى القرآن فإن مفكري الإسلام متفقون على أن العقل يميز ما هو شر مما هو خير ، أما الإلزام والجزاء فهو بحسب ما يبينه الله ، لأن ذلك يخرج عن حدود معرفة الإنسان .

الجمال : ـ

كما أن الله تعالى أبدع هذا العالم الرائع ونصبه أمام حواسنا وعقولنا وحضنا على التفكير فيه لكي نستدل على وجوده تعالي من صنعه العظيم فإنه أيضا أسبغ الجمال على كل ما خلق
( الذى أحسن كل شيء خلقه ) ( السجدة /7 ) وهو سبحانه فطر نفوسنا على إدارك الجمال وعلى محبته ، ونبهنا إليه وكل ذلك من آيات التناسق فى صنع الله القادر الحكيم .

وفى القرآن الالفاظ التى تشير إلي الملامح التى تسر النفس :" الجمال " الحسن "، البهجة "الزينة"، وغير ذلك من ألفاظ تدل على تكامل الجمال مثل مفهوم " التسوية"، فالله تعالى
سوى كل شىء خلقه وهذا كما يشمل نظام السماء فهو يصدق على نظام النفس النازعات /28 الشمس /7 ) ، ومعنى التسوية هو أن الله جعل الشيء متعادلا متناسقاً فى تكوينه الأعلى /2 ) ثم الإتقان فى الصنع ( النمل /88 ) ، والتقويم بمعني تكامل التركيب ( لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ) ( التين /4 ) ومعني ذلك أن الله خص الإنسان بنوع من الجمال المتكامل الذى يتمثل فى " انتصاب القامة ، وحسن الصورة أو استجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات

ولما كان الله تعالى كاملاً وجميلاً بالمعنى المطلق، فإن من الطبيعي أن يكون كل ما خلقه جميلا فى ذاته لا بحسب تقديراتنا الذاتية التى لا تدرك كل حقائق الجمال ،كما أنها لاتبلغ إلي الإدراك التام لحقائق الأشياء .

ومظاهر الجمال فى صنع الله تعالى لا حصر لها وقبل أن نتكلم عما أشاد إليه القرآن من أيات الجمال فى هذا الكون لابد أن نشير أولا إلي ما يميز به القرآن نفسه من أنواع الجمال، فى فصاحه ألفاظه وبلاغة عباراته، وهذا ما أحس به أوائل من سمعوه ومن جاء بعدهم فتحدثوا عما له من " حلاوة " وطلاوة " " وعذوبة " وتأثير لايمكن تعليلة ، حتي وصفوه بأنه " سحر " لكن جمال القرآن لاحصر له ( ولو أنما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27 ) ( لقمان /27 ) .
ونكتفي بأن نشير من ذلك إلي ما فيه من المعاني التى يدركها " أولو الألباب " ، لأنها توقظ عقل الإنسان وتحي قلبه ، وتنبه حواسه ، وبذلك توجه كل ملكاته إلي ما يسموبها ، وهذا لايعرفه إلا من كانت له ( روح ) أو " قلب " ، وكان عند قراءته للقرآن حاضر الذهن لكي يشعر بما فيه من آيات وحقائق من" عالم الغيب " لأن القرآن كما يقول الله تعالى ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ... ) الشوري /52 ) أي من "عالم الأمر " الذى أشار الله تعالى إليه ولا تلوح حقائقه إلا
( لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ( ق /37 ) .

والقرآن يلفت نظرنا إلي مظاهر الجمال على مستوي هذا الكون فى جملته : فى الأرض وما عليها من الجمال المتنوع : ( إنا جعلنا ما علي الأرض زينة لها ) ( الكهف /7 ) وفى السماء وزينتها بما فيها من نجوم وكواكب لا تحصي وتتألق بكل ألوانها الجميلة ( أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ) (ق /6 ) .

بعد هذا يلفت القرآن نظرنا إلي جزئيات الجمال من أولها وأبسطها ما يدل عليه قوله تعالي :( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير "( الحج/3 ) أو قوله تعالى ( ..... وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ... ) ( النمل /60 ) ،ولنلاحظ ما تشير إليه صيغة لفظ ( بهيج ) فهي تدل من جهة على صفة ما تنبته الأرض ومن أنواع الزهور الجميلة ، وتشير من جهة أخرى إلي قوة تأثير ذلك الجمال وابتهاج النفس به وفى مواضيع أخرى يقول القرآن : " أو لم يروا إلي الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ) ( الشعراء /7 ) ولفظ كريم يدل على شيء يضاف إلي الجمال وهو المنفعة والفائدة .

فوق هذا كله جمال الصورة الإنسان ية التى يذكرها الله مقرونة إلي إحكام نظام السماوات والأرض(خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم ) ( التغابن /3 ) ، وجمال الإنسان لايقتصر على الجمال الظاهر بكل ألوانه ، رغم جاذبيته الشديدة للعين والقلب ، ورغم ما يثيره من فتنه بل يتجلي أيضافى جمال الشخصية عندما تتحلي بجملة صفات الروحانية والخير والنبل وفى القرآن إشارة إلي " التجربة الجمالية " التى تفتن وتذهل ، كما نقرأ ذلك فى سورة سيدنا يوسف عليه السلام ، فلم يكن ذلك الجمال مجرد ملامح الحسن الذى تتدركه العين بل كان فى إشراق طهارة الروح التى آشار إليه القرآن .

وفى القرآن ذكر الجمال فيما خلق الله من أنواع الحيوان ( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) ( النحل /5 ـ 6 ) ، وإذا كانت الآية تشير إلي الأنعام خصوصا الخيل بكل ما يعجب الإنسان من جمالها وخيلائها مما يدعو إلي تزيينها بكل أنواع الزينة وإلى الاعتزاز بها فإن فيما خلق الله من أنواع الطير ، والفراش وحيوانات البحر وغير ذلك جمالا يندرج تحت قوله تعالي(الذي أحسن كل شيء خلقه)( السجدة /7 .

وكل ما تقدم يشير إلي جمال المبصرات، ولكن القرآن يشير إلي جمال المسموعات خصوصا الاصوات الجميلة . وقد فهم المفسرون من قوله تعالي : ( يزيد فى الخلق ما يشاء ) ( فاطر /1 ) أن من ذلك حسن الصوت ، والله تعالى يعلم ما فطر عليه الإنسان من حب الجمال والقبول من الجميل ولذلك فإن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول : " ما بعث الله نبيا ولا رسولا إلا حسن الوجه حسن الصوت حسن النسب " .

والقرآن يحدثنا عن جمال الصوت إذا كان فى التعبير عن المعاني الدينية ، ومن ذلك ، تسابيح ودعاء سيدنا داود عليه السلام ، حيث كانت تشاركه فى ذلك الجبال ( ولقد ءاتينا داود منا فضلاً يا جبال أوّبي معه والطير .... ) ( سبأ /10 ).

ولا يصح أن يندهش أحد من أن الجبال والطير كانت تردد مع داود تسابيحه ودعاءه ، لأننا لايصح أن نقيس الأمور دائماً بالنسبة إلينا لأن القرآن يبين أن كل شيء يسجد لله ويسبح بحمده ، وإن كنا لانفقه ذلك ( الإسراء /44 ) . وفي القرآن أن الجبال تسجد لله كما تسجد سائر الكائنات كل على طريقته ( الحج / 18 ) ، وأن الطير تصلي،و تسبح ( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافت كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ) ( النور /41 ) ولا أجد حرجا إذا قلت أن بين جبال سويسرا جبلا اسمه Zermat ، يقف وحده شاهقا وقمته منحنية انحناء ظاهرا ، والناس يقولون إنه ينحني إجلالا للخالق العظيم .

والجمال لايقتصر على جمال المحسوسات ، فهناك الجمال فى الأخلاق ومن ذلك عبارة " حسن الخلق " ، وأن تسمية الأعمال الصالحة بأنها " حسنات " .

يشير إلي جمالها وإلي جمال النفوس التى وراءها ولاتدركه العيون إنما تدركه القلوب ، والبصائر.

والقرآن يذكر لفظ الإحسان وهو مبدأ عام يأمر الله به مقرونا إلي العدل ( أن الله يأمر بالعدل والإحسان ) ( النحل /90 ) ، والإحسان يذكر خصوصاً فى معاملة الوالدين، ولايراد منه مجرد العناية المادية بل كل أنواع البر واللطف وحسن الكلام ، وفى القرآن قوله تعالى : ( وقولا للناس حسنا ) ( البقرة /83 ) ، وقوله ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) العنكبوت /8 ) ،والمقصود هو الكلام الحسن ،والعمل الحسن الذى من جماله أن يقال عنه أنه الحسن نفسه .

واذا كان الجمال يتمثل فى الأعمال الصالحة كلها على مستوى الواجبات الدينية والاجتماعية فإن على الإنسان أن يحسن إسلامه وعبادته ، بحيث يتحقق من استغراقه فى مناجاة الله معني الإحسان فى قول الرسول عليه الصلاة والسلام : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " .

والقرآن يوصي بالجمال المعنوي فى أدائنا لواجباتنا فى الامور الحساسة وذلك بأن يراعي الإنسان إحساس الغير ومن ذلك ذكر السراح الجميل " ، عندما تنحل حياة الأسرة بالانفصال، هنا يأمر الله الزوج أن يتلطف فى إكرام المرأة عند مفارقتها غاية الإكرام بقوله: فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً ) ( الأحزاب /49 ) .

بل إن الجمال مطلوب حتي فى الأحوال النفسية التى يعانيها الإنسان ، ومن ذلك مفهوم ( الصبر الجميل ) بمعني الرضا ، وعدم اضطراب القلب ، والإيمان بحكمة الله فيما يصيب الإنسان ، وقد يكون الصبرالجميل على الأذى الذي يلحق الإنسان وهو هنا بمعني الصفح وعدم الاصرار على الأنتقام ، وربما مع الرثاء والدعاء للغير ، والله يقول لرسوله ( وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ( الحجر /85 ) ، وكل ذلك من صفات الأنبياء والمصلحين وأصحاب المثل العليا .

ولقد كان ذكر الجمال على تنوعه فى القرآن الكريم والتنبيه إلي النظر إليه من أسباب الاهتمام بتجميل الحياة عند المسلمين والظهور بمظهر الجمال فى مختلف الأحوال والمناسبات العامة سواء فى أيام الجمعة عند الذهاب إلي المساجد ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد )
( الأعراف /31 ) ، أو فى أيام الأعياد والمناسبات الدينية .

ثم إن القرآن ينبه إلي أن الله أحل الزينه لعباده وهو يذكر أنها زينه الله لأنها منحة منه ومنسوبة إلي صنعه البديع : ( قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده ،و الطيبات من الرزق قل هي للذين ءامنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الأيات لقوم يعلمون ) ( الأعراف /32 ) ، واذا كان الله تعالى قد أحل أنواع الزينة وكل أنواع المتاع الذي تقدمه الحياة، فإن ذلك كما يتبين من الآية السابقة مشروط بمراعاة المباديء الأخلاقية ، لأن الجمال إنما هو للمتعة السامية وليس للابتذال ، ولذلك فإن الله تعالى بعد آية " الزينة " يبين ما حرمه الله ، وهو ( الفواحش ما ظهر منها ، وما بطن ) ، ولذلك فإن من الآداب الخاصة بالجمال أن يصونه صاحبه ، أحتراماً لصنع الله ولايعرضه للانقلاب شراً فى الدنيا ووبالا فى الآخرة .

والناظر فى حضارة الإسلام يلاحظ أن الجمال من مظاهرها العظيمية، سواء فى دقائق الجمال كما يتجلي فى الخط العربي أو فى أنواع الزخرفة ، أو فى الجمال على مستوي العمارة الضخمة التى تتجلي روعتها فى المساجد الكبري التى تبدو مناراتها عالية من المكان العالي الذي تقام عليه ، ومن ينظر فى مساجد الإسلام فى كل المدن الكبرى من أعماق آسيا الوسطى والهند إلي إيران والشام ومصر شمال أفريقيا إلي جامع قرطبه العظيم وخصوصا المساجد الكبرى فى استانبول والمدن الكبرى فى تركيا ، يجد الجمال على مختلف مستوياته فى الدقه والعظمة وفى داخل المساجد يجد آيات القرآن بالخط الجميل، وهي ليست مجرد زينه، ثم هي تدل عند من يقرؤها ويتأمل معاينها على ما يشبه الأصول لحياة الإيمان والفكر بل سياسة الدولة الإسلامية، ثم أن بعض المساجد التى أنشئت فى عواصم الدول الأوروبية مثل جامع باريس تمثل آية فنية يزورها ويتأملها الأوربي فيري وهو فى بلاده شاهدا على مظهر من مظاهر الجمال فى حضارة الإسلام .

وقد كتب علماء الإسلام فى الجمال الذى أبدعه الله ولهم نظرياتهم وآراؤهم وتغني شعراؤهم بجمال الطبيعة على الأرض وفى السماء، وتغنوا بجمال الصورة الإنسانية التي أبدعها الله ، وأعتقد أنهم فى التصوير للحسن فى جمال الصورة الإنسان ية فاقوا جميع الأمم ، كما أنهم فى وصفهم لدقائق الجمال فى الطبيعة خصوصا جمال الحياة النباتية، صوروا الجمال ورمزوا له بالرموز الرائعة . ومن أصحاب النظريات فى الجمال ابن حزم والغزالي .

وإذا كان الجمال فى هذا الكون مظهرا من مظاهر الصنع الالهي البديع فإن النظر إلي الجمال يذكر المسلم بصأنع الجمال ، لذلك فإنه يذكر الله علي نحو تلقائى ومن عبارات العلماء قولهم : إن الجمال الصحيح هو ما يستنطق اللسان بالتسبيح . ولما كان الجمال فى المخلوقات ثوبا أسبغه الله عليها فإن الشعراء من الصوفيه خصوصا ، تغنوا بتعظيم الجمال الالهي، ومن أعظمهم عمر بن الفارض ومشاهدة الجمال الإلهي هي السعادة العليا التى ينتظرها المؤمنون فى الآخرة ، وإذا كان الله تعالي قد أبدع من الجمال ما يخلب الألباب ، فإن مشاهدة جماله تعالى تنقل الإنسان إلي الفناء فى الجمال المطلق الذى تسعد به الروح فتزداد جمالا على ما أسبغه الله عليها من جمال .

أخبار الرسل والأنبياء


أن سير الرسل والأنبياء واخبارهم لها أهمية بالغة ، بحكم أن الله تعالي قد اختارهم لرسالاته وتعليم عباده ، وهذا يقتضي أن يكونوا قدوة لأقوامهم فى كل ما جاءوا به من عقائد وشرائع وأخلاق . لكن الناظر فى سيرهم المدونة فى الكتب السابقة يجد من الوقائع والأعمال ما لايتفق مع طبيعة الهداية الإلهية التى جاءوا بها ، وهذا يدل على عدم الضبط فى تدوين سيرهم وأنه قد دخلت فيها عناصر غريبة عنها ، وهذا لا ندخل فيه بل نتركه للمتخصصين فى تاريخ الكتب المنزلة السابقة على نزول القرآن .

أما فى القرآن فإن الأمر يختلف لأنه سجل أخبارهم وحيا من الله تعالى وصلنا كما جاء وفى ضوء التاريخ الساطع ، والقرآن يقول إنه يقص أخبار بعض الرسل والأنبياء ولا يقص أخبار البعض الآخر ( غافر / 78 ) . وهو أيضا لايتحدث عن أخبار بعضهم إلا قليلا ، وقد يكتفي بذكر أسمائهم وبعض صفاتهم الكريمة ( مريم /56 ـ 57 : إدريس ، ص /48 : اليسع وذو الكفل ) .

أما التفصيل فهو فى ذكر أخبار الرسل الذين كانت فى حياتهم ودعوتهم احداث كبري وكان لهم شأن عظيم فى تاريخ الدين والتاريخ الإنسا ي ، من عهد آدم أبي البشر إلي نوح صاحب الطوفإن ، ثم موسى الذي أخرج بني إسرائيل من مصر ، وآل عمران الذين كانت منهم مريم والدة سيدنا عيسى إلي عهد محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام .

وفى القرآن كل أخبار دعوتهم فى جوهرها إلي تمام الهداية الإلهية فى الرسالة المحمدية التى أكمل الله بها الدين للإنسانية كلها ، لكننا قد نجد تفصيلاً فى أخبار بعض الأنبياء الذين تعرضت حياتهم للمعاناة بكل ما فيها من حكمة وذلك مثل سيرة يعقوب ويوسف ، وأيوب عليهم السلام .

والقرآن فيما يقصه من أنباء الرسل يؤكد أنه " أحسن القصص " يوسف /3 ) والحق أن أسلوب القصص القرآني ، بكل ما فيه من ذكر دعوة الأنبياء وما كان فى حياتهم قد جاء فى أعلي ذروة من الجمال، والفصاحة والبيان والتصوير للأحداث على نحو يأخذ بلب القاريء ويجتذبه ويؤثر فيه بكل وجوه التأثير . وذلك الأسلوب جدير بدراسة قائمة بذاتها .

والقرآن يؤكد أيضا أنه " القصص الحق " ( آل عمران /62 المائدة /37 الكهف /1) و" إنه لقول فصل وما هو بالهزل ) ( الطارق /13 ـ 14 ) ، وأن ما يحكيه هو ( قول الحق ) فى أكبر مسألة أنقسم فيها المنتسبون إلي دين إبراهيم عليه السلام أو فى مسائل الاختلاف بين أهل الأديان الأخرى ( البقرة /113 و 176 و 213 النساء / 157 ، النحل /124 ، مريم /37 ، النمل /76 ) والقرآن يؤكد أنه يقول الحق فيما يتعلق بالسيدة مريم الصديقة والميلاد الخارق لسيدنا عيسي عليه السلام وفى هذا كله يريد القرآن أن يبين الحق ويدعو إليه وأن يرفع الخلاف على أساس الأصل المشترك بين جميع الأديان الثلاثة ( آل عمران /64 ، المائدة /15 و19 ) .

وآيات القرآن تدلنا على وجوه الحكمة من ذكر أخبار الرسل والأنبياء، وأنهم إنما جاءوا ليبينوا للإنسان معني حياته فى الأرض ، وهذا كما قال الله تعالى لآدم من أول الأمر بعد أن هيأه لرسالته : " فإما يأتينكم مني هدي فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) البقرة /38، طه /123 ) ، وجاءوا أيضا ليبينوا الحقائق الكبري فى الإيمان والمباديء الكلية والشرائع بما فيها من الأوامر والنواهي التى بحسبها سيسأل الإنسان عن حياته فى هذه الدنيا ( النساء /165)، ثم أن الأنبياء يؤكدون جميعاً أن جوهر الدين والإيمان هو حقيقة واضحة ، أعني الإيمان بالإله الواحد الحق ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) ( الأنبياء / 25 ) .

ومن جهة أخري تشتمل أخبار الرسل فى القرآن علي ما جري بينهم ، وبين أقوامهم وما عانوه من إعراضهم عنهم وتكذيبهم لهم ، وما حل بالمكذبين من عقاب الله ، وهذا من شأنه أن يدعو دائما إلي العظة والاعتبار ، وفى تلك الأخبار تفصيل لجوهر العقائد ، وهذا خصوصا بالنسبة للأديان المنزلة الأخيرة التى جاء القرآن مصدقا لها بالإجمال ، وهو بذلك يشهد لها ويضمن لها البقاء حتي لو تباعد عنها أهلها ، كما هو ملاحظ عند الكثيرين من أهل الكتاب . ويحسن أن نذكر هنا أن القرآن يأمر كلا من اليهود والنصارى . إن هم لم يقبلوا دعوة الإسلام ـ أن يحكموا بما أنزل الله فى التوراة والإنجيل ( المائدة /44 ـ 50 ) ، بل نحن نقرأ فى القرآن ( قل يا أهل الكتب لستم على شيء حتي تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ( المائدة /68 ) .

ثم إن القرآن أراد من كثرة ذكره لأخبار الرسل ما تعرضو له فى أداء رسالاتهم أن يشد أزر الرسول محمد عليه الصلاة والسلام فيما كان يعأنية من معارضة قومه وتكذبيهم وإذايتهم له ، لي يثبت فى دعوته ويصبر : ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فوءادك ) ( هود /125 ) ، ولكي يعلم ، ويتأكد أن تكذيب قومه ليس أمراً عجيبا وأنه ليس تكذيبا له بقدر ما هو جحود بالحق الذى جاء به " وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ،وإلي الله ترجع الأمور ( فاطر /4 ) ( قد تعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ( 22 ) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتي أتهم نصرنا ولامبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإي المرسلين (34 ) ) ( الأنعام /33 ـ 34 ) .
( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولاتستعجل لهم … ) ( الأحقاف /35 )
.
.


نــوف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2005, 03:59 AM   #6
نــوف
رائحــة الـورد
 
الصورة الرمزية نــوف
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 2,902
افتراضي





طريقة القرآن فى القصص : ـ

نحن لأنجد فى أخبار الرسل والأنبياء سرداً متصلا لسيرة أي منهم كاملة ،نجد تفاصيل مما يعرض فى حياة الإنسان عادة ، وهذا ما نجده فى التوراة مثلاً وإنما نجد أولا وقبل كل شيء مضمون رسالاتهم ،وجوهرها وبعض المواقف والظروف والأحداث الكبيرة فى حياتهم وفى أدائهم لرسالاتهم ، وذلك لكي يعلمها قاريء القرآن وحيا حقيقياً ،ويستخلص منها الآراء والعظة والاعتبار فالقرآن لايقص لمجرد التاريخ ، لأنه لايريد أن يثقل على القاريء بتفاصيل تشوش حول الحقائق الأساسية وكل كلامه بأسلوب موجز ومحكم يمكن الاجتهاد فى ترتيب الوقائع والاحداث كما فعل بعض المفسرين لكن ليس الأمر فى الحقيقة دائما مسألة أحداث بل هو تقرير عقائد وذكر حقائق وآراء ومسائل مستقلة فى ذاتها عن الزمان والمكان .

وبحسب طريقة القرآن فى التعليم المستمر نجد أخبار الرسل فى أكثر من سورة فى أثناء تعليم القرآن ، فيما عدا سيرة سيدنا يوسف عليه السلام لأنها سورة واحدة . ثم أن أخبار الأنبياء ليست مجرد تكرار بل هي تعليم متدرج ، وبعضها يكمل بعضا ويؤكده ويذكر به على مر السنين لأجل الطوائف المتجددة التي كانت تدخل فى الإسلام تباعاً ، مما كان يدعو إلي التعليم من جديد بواسطة الوحي نفسه لا بإحالة الداخلين الجدد على ما كان قيل من قبل ،وربما أن تكون قد مضت عليه سنوات . على أننا قد نجد القصة مجملة فى جوهرها إما فى السور الأولى أو الأخيرة بحسب ما كانت تقتضية الحكمة ونحن سنجتهد فى أن نضع أمام القاريء حقائق أساسية من أخبار بعض الرسل لكي يري كل من ينظر فيها كيف أن القرآن أكمل العلم بدعوتهم ، ويتبين أيضا ما قد أنفرد به القرآن من حقائق لا وجود لها فى الكتب المنزلة قبله ومنها ما جاء تصحيحا لما فيها وهذا واجب علمي على كل باحث فى القرآن أن يقوم به والحق أن كثيرا من الذين نظروا فى القرآن من الغرباء عنه لم يتعمقوا فى القراءة والدراسة والمقارنة الدقيقة ، بل نظروا إلي أنواع من شبه ظاهري فى بعض الجزئيات بين ما جاء فى القرآن وبين ما في الكتب السابقة له وصنيعهم هذا كما يصدق على أخبار الرسل يصدق أيضا على ما جاء فى القرآن من كلام عن نظام الكون فى جملته وفى أجزائه ، فلم يلاحظوا أنه انفرد فى كلامه عن الكون بطريقة متميزة من حيث نوع الظاهرات ونوع الكلام عنها .

والقرآن قد أنفرد فى أخبار الرسل بحقائق لا وجود لها أصلا فى الكتب السابقة أو هي قد نسيت فى اثناء تقلبات التاريخ أو تجاهلها أو جهلها الذين دونوا تلك الكتب بسبب الاختلافات بين أهل تلك الأديان ، وهذا ما سنراه فى سيرة من سنتكلم عنهم من الرسل والأنبياء .

إبراهيم المفكر الموحد : ـ
ولنبدأ بالرسول الذى يعتبر أبا للأنبياء ومؤسس التوحيد فى الفترة الأخيرة من تاريخ الوحي الإلهي، وهو سيدنا إبراهيم ، الذى جاء على لسأنه اللفظ المعبر عن روح الدين والتدين وحقيقة الإيمان وهو اسم "الإسلام" وكذلك وصف من يؤمن بالله بأنه هو "المسلم " وذلك على أساس قول الله فى القرآن عن إبراهيم ( إذا قال له ربه ـ أسلم قال أسلمت لرب العالمين ( 131 ) ، وكذلك على أساس دعاء إبراهيم لنفسه وولده اسماعيل ( 1 ) ، ولذريتهما من بعد بقوله ( ... ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرياتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ) البقرة /128 ) .

ونحن عندما ننظر فى المواضيع العديدة التى ورد فيها ذكر إبراهيم فى القرآن نجد أمورا ومواقف كثيرة غير معروفة من قبل ، ونحن سنكتفي بذكر بعضهم ، فى إيجاز ، وأول ما يصادفنا هو إبراهيم " الفتى " الذي آتاه الله ( الرشد ) فى وقت مبكر ( الأنبياء /51 ) فأصبح ( مفكرا) بين قوم يعبدون الأصنام فى ظل ملك جبار مغرور بسلطانه وقدرته على التحكم فى رعيته حتي بالحياة، والموت وينظر إبراهيم فيما عليه قومه من جمود على ما ورثوه عن آبائهم من أن عبادة الأصنام ومن قصور فى التفكير ويريد أن يوجه عقولهم إلي معرفة الله الإله الواحد القهار .

فيشرع أولا بتوجيه إلهي فى التفكر فى "ملكوت السماوات والأرض" لكي يصل إلي الإيمان اليقيني بوجود الخالق العظيم فيرسل نظره إلي أعلي وأرقي ما يراه الإنسان من موقعة على الأرض ، هو السماء وما فيها من كواكب وقمر، وشمس ، فيلاحظ أنها جميعا ، رغم ما لها من روعة، تطلع وتبقي حينا ثم تتحرك إلي الأقوال فيستلفت نظره هذا التغير فى أحوالها ، وينقدح فى فكره ، كما فهم كلامه المفسرون ، أن هذه الأجرام تتغير وأنها لإثبات لها فيستنتج أنها لم توجد نفسها ولابد أن يكون وراءها خالق دائم الوجود ولا يشبهها وهذا أمر طبيعي يهدي إليه عقل الإنسان إذا فكر . والقرآن بعد أن يقص هذا الخبر يذكر النتيجة التي انتهي إليها إبراهيم ، وهي قوله ( أني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ).

ويجادله قومه فيكمل برهانه بدليل إضافي طريف يذكره القرآن وهو نوع يسمي عند الفلاسفة
( دليل المراهنة )، وهو مشهور فى الفكر الإسلامي وله أمثلة فى القرآن ،( غافر /28 ـ 29 ) ، وكان له تأثير فى الفكر الأوروبي عند الفيلسوف الفرنسي المؤمن بسكال ( ت 1669 م ) ومن جاء بعده ، وقد شرحناه فى كلامنا عن أدلة وجود الله فىالقرآن وملخصه أن المؤمن بوجود الله يكون أقرب إلي الأمن والنجاة فى كل الأحوال من المنكر لوجوده تعالى بلا دليل ، وقد فهم علماء الإسلام طريقة تفكير إبراهيم ووضعوا دليله على صورة جديدة تتلخص فى الاستدلال بتغير الأشياء على حدوثها ووجود محدث لها وهو الله ، وسمو ذلك " طريق إبراهيم " . وتنتهي حكاية القرآن بقوله تعالى ( وتلك حجتنا ءا تيناها إبراهيم على قومه نرفع درجت من نشاء إن ربك حكيم عليم "

إبراهيم الموحد الثائر : ـ
لقد كان من الطبيعي ـ بعد أن استدل إبراهيم على وجود الله ـ أن يبدأ فى أداء واجب شعر بأن عليه أن يؤديه نحو قومه ،ويبدو أن أول ما فعله كان كلاما له مع أبيه فى عبادة الأصنام ، وهو يخاطب أباه بكل رفق وبر وحرص على هدايته ، فيقول له : ( يا أبت لم تعبد ما لايسمع ولايبصر ولايغني عنك شيئا (42 ) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ...) .الأب يصر على ما هو عليه بل يهدد ولده ويأمره بالابتعاد عنه ، فيفعل وهو حريص على هدايته ، قائلا له ( سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ( 47 ) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسي ألا أكون بدعاء ربي شقيا ... ) ( مريم /41 ـ 48 ) .

يتباعد إبراهيم ، لكن القرآن يذكر سورة أخري من مجادلته لأبية وقومه ، وهو فيها يثير الشك فى عقولهم لكي يفكروا ويصلوا إلى الإيمان ، وفى ثنايا ذلك يدعو لأبيه ( الشعراء /69 ـ 89 ) .

وفي موضوع آخر نجد الجدال يشتد بين إبراهيم وبين أبيه وقومه ، وهنا يتهمهم بالضلال وينبههم من جديد إلى الإيمان بالإله الحق بعد أن كان قد عرفه الدليل فيقول لهم : " بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ) ، وفي الوقت نفسه يهددهم بأنه سيكيد لأصنامهم ، ثم يخطط لتدميرها .

وهنا يظهر إبراهيم الثائر " ، وهو لا يزال فتى كما تدل آيات القرآن فيتخلف عن مصاحبتهم فى خروجهم ليوم عيد لهم ويوهمهم بأنه مريض ، ويريد أن يصدم طريقتهم فى التفكير ويبين لهم أنهم على خطأ ، فيعمد إلى تلك الأصنام ويحطمها إلا أكبرها ، لكي يدركوا أنها لاتستطيع دفاعا عن نفهسا فضلا عن أن تنفعهم فى شيء ، وفى أثناء مساءلتهم لاينكر أنه فعل ما فعل ، وكان قد " جعلها جذاذا " ويستهزيء بهم قائلا : ( بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون ) فيرتبكون فى تفكيرهم ويكادون يهتدون ، لكنهم ينتكسون وينتهي الأمر بأن يقول لهم : ( أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) .

وينتهي الامر بأن يقرروا أن يحرقوه ، فيعدوا كل شيء ، ويقذفون به في النار ، فيبطل الله كيدهم بأمر خارق ينزع من النار طبيعتها : ( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) ، هذا نجده فى ( سورة الأنبياء /51 ـ 70 ، الصافات /83 ـ 113 ) .

جاء فى الحديث أن جبريل جاء إلي إبراهيم قبل أن يلقوه فى النار وسأله هل لك من حاجة ؟ فاجاب : أما إليك فلا ، وأما إلي الله فنعم فقال جبريل : فأساله فأجاب حسبي من سؤالي علمه بحالي . ولا يمكن أن تكون قوة الإيمان بالحق وأن تكون التضحية فى سبيل الله والثقة فى عنايته ونصره تعالي مثل ما كان ذلك عند إبراهيم .

التحدي للملك المغرور: ــ
وفى هذه الفترة من مجادلة إبراهيم مع أبيه وقومه نجد منظر " المحاجة " بين إبراهيم وبين ذلك الملك المتجبر، والمحاجة عبارة عن الجدال الذى يحاول فيه كل من المتجادلين أن يرد الآخر عن حجته ولابد أن يكون أمر إبراهيم ودعوته وثورته قد أنتشر واشتهر ، وأدى ذلك إلي تدخل الملك فى الموضوع وإلي تلك الحاجة فإبراهيم يدعو إلي الإيمان بالله الذي خلق الخلق فهو الذى منحهم الحياة، وهو الذى يمنيهم ويقدر على أن ينشئهم من جديد ويعمد الملك إلي المغالطة ويقول إنه أن يتحكم فى رعيته بالحياة والموت ويرد عليه إبراهيم بما يكشف مغالطته والقرآن يذكر ذلك كله فى آية واحدة لايمكن أن يكون كلام أو جزء ولا أحكم منها . ( ألم تر إلي الذى حاج إبراهيم فى ربه أن ءاته الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذى يحي ، ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر والله لايهدي القوم الظالمين ( 258 ) ( البقرة /258 ) .

لنلاحظ أن إبراهيم خرج عن معارضة الملك وما في كلامه من مغالطة إلي التحدي بشيء لايقبل الجدال ، وهو ما كان قد توصل إليه من التفكير في نظام الكون وأنه فى يد الخالق العظيم وحده ، وبذلك صدم طريقة تفكير الملك فلم يستطع جوابا .

ويدل سياق الآيات التالية على أن إبراهيم سأل الله تعالى أن يريه كيف يحي الموتى ، فاستجاب الله لسؤاله وأراه ذلك بالتجربة ( البقرة /260 ) ويروي أنه فى أثناء تلك " المحاجة " أراد الملك أن يحرج إبراهيم ، فسأله : هل عاينت ربك يحيي ويميت ؟ فلم يستطع إبراهيم بطبيعة الحال أن يقول نعم ، ولذلك عارض الملك متحديا له بأن يغير نظام الطبيعة إذا كان يستطيع ذلك .

طموح إلي معرفة أعلي : لكن إبراهيم كان مفكرا طموحاً ينشد المزيد من المعرفة واليقين الذى يسكن إليه العقل ويطمئن القلب ، فأراد أن يعرف أسرار القدرة : ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتي قال أو لم تؤمن قال بلي ولكن ليطمئن قلبي .... ) ، فيريه الله تعالى ذلك بالتجربة ( البقرة /260 ) وقد أراد إبراهيم أن يصل بعد العلم الاستدلالي على قدرة الله ، إلي علم المشاهدة والرؤية ، بحيث ينعم إلي دليل العقل " المعاينة " والمرتبة الأولى هي فى عرف العلماء واهتدائهم بآيات القرآن " علم اليقين " ، أما المرتبة الثانية فهي " عين اليقين " التي أرادها إبراهيم ، وتأتي بعدها مرتبة اعلي هي " حق اليقين وفيها يذوق الإنسان بنفسه ما يعلمه بالعقل ، وفى القرآن الإشارة إلي هذه المرتبة الأخيرة وإلى مرتبة " عين اليقين " وذلك فى آية سورة البقرة /259 .

وفى الحديث الشريف أن الرسول عليه الصلاة والسلام، قال : في كلام القرآن عن ذلك : " نحن أولي بالشك من إبراهيم " وهو إنما يقصد قصور معرفة الإنسان بأسرار القدرة ولايقصد الشك فيها ، وكان ذلك هو موقف إبراهيم .

ومن الوقائع فى حياة إبراهيم أنه بعد محاولة إحراقه هاجر من وطنه وسكن فى المكان الذى أنشئت فيه بعد ذلك المدينة التى سميت باسمه مدينة الخليل ، وذلك من قول القرآن عن إبراهيم : ( واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) ( النساء / 125 ) ، وذهب إبراهيم إلي مصر ، وأهدى إليه فرعون جاريته ( هاجر ) ، وتزوجها بعد ذلك ، ورزق ، وهو كبيرالسن ابنه الأول إسماعيل ( إبراهيم /39 ) . ثم جاءت ظروف تذكرها التوراة مع شيء من المفارقات ولاضرورة للدخول فيها ( تكوين /21 ) ، وأدت إلي أن يأخذ إبراهيم ولده إسماعيل وهو طفل ويسكنه بعد ذلك فى المكان الذى فيه البيت الحرام فى مكة وكان واديا لا زرع فيه ولا ماء ، ويتركهما هناك ويدعو لهما ( إبراهيم /35 ـ 37 ) ، ثم ظل يتردد عليهما إلي أن أذن الله له ببناء البيت الحرام ثم يرزقه الله بعد ذلك بسنين كثيرة ولده إسحاق بعد يأس من أن تلد سارة ، وفى الأحوال كلها كانت الملائكة تبشره ( هود /70 ـ 73 ، الصافات /100 ـ 101 ، الذار يات /28 ـ 30 ) ـ لكن الأمر كله آيات تدل على قدرة الله الذى " يفعل ما يشاء " .

الاختبار والابتلاء : ـ

كان إبراهيم قد عرف الله بالدليل ، وفى القرآن أن الله قال له ( أسلم ) أي أسلم نفسك إلي بالتوحيد الحق والامتثال التام فى كل ما امرك به ، فاجاب ( أسلمت لرب العالمين ) والله تعالى يختبر من يصطفهم من عباده ليقويهم على أداء رسالاته ، ثم هو يلطف بهم ، فابتلي إبراهيم بأن يذبح ولده ، وتدل آيات القرآن على أن ذلك كان بعد أن نجاه الله من قومه وهاجر ، وكان الولد قد أصبح فتى بدليل قوله تعالى : ( فلما بلغ معه السعي ) أي السعي والمشاركة له فى أعماله ، فامتثل الأب وأطاع الولد ( فلما أسلما وتله للجبين ) ، أي لما استسلما لأمر الله ، وأراد إبراهيم أن ينفذ الأمر ناداه الله تعالي ( أن يا إبراهيم قد صدقت الرُءيا )، وفدى الله إسماعيل بكبش عظيم ( الصافات /99 ـ 110 ) .
الذبيح هو إسماعيل لأنه كان الابن الوحيد ، وهذا ما يشير إليه القرآن بقوله : ( إن هذا لهو البلاء المبين ) ، أما إسحاق فإنه لم يولد إلا بعد إسماعيل بسنين كثيرة ( أربعة عشر عاماً بحسب التوراة لأن إسماعيل ولد و إبراهيم فى السادسة والثمانين وولد له إسحاق وهو ابن مائة عام ( تكوين /17 ) ثم إن إبراهيم نفسه يقول بحسب القرآن ( الحمد لله الذى وهب لي علي الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ) ( إبراهيم /39 ) والآية تدل على الترتيب .أما فى التوراة فنجد كلاما غير دقيق ، ونجد أن إبراهيم لما أخذ ولده إسماعيل بعيدا عن زوجه سارة كان ذلك بعد فطام إسحاق ، وأن إبراهيم أخذ هاجر ووضع على كتفها خبزا وقربة ماء والولد ، فإذا كان صحيحا فإن إسماعيل كان في الخامسة عشرة على الأقل ولا يمكن وضعه هو والخبز والماء على كتف هاجر ، ثم يأتي بعد ذلك أنها بعد أن تاهت فى البرية طرحت الولد تحت الشجرة .هذا لايتفق أبدا مع طبيعة الأشياء ولا يصدق على إقصاء إسماعيل ألا وهو طفل تحمله أمه ( تكوين / 21 ) .

وليس فى التوراة ذكر لإخبار إسماعيل ولا لبناء البيت الحرام ولكن فيه أن رحلات إبراهيم تعددت جنوبا وفيه لقوافل الاسماعيلين ونحن لم نرد بذكر هذا كله إلا لنبين أن القرآن يكمل ويصحح كل شيء حتي الوقائع وأن الذين دونوا التوراة لم يهتموا إلا بأخبار إسحاق وذريته من بعده ، مع أن التوراة ( تكوين /17 ) تقول أن الله سيبارك إسماعيل وأنه سيجعل نسله أمة كبيرة وأنه يسكن أمام إخوته .

والآن للنظر حكمة الله فى هجرة إبراهيم بولده إلي وادي مكه حيث سيكون إسماعيل ( رسولا نبياً ) ، ( يأمر أهله بالصلاة والزكاة ) ( مريم / 54 ـ 55 ) ، وهناك تنشأ أمة جديدة فى أرض جديدة إلي أن يظهر الإسلام على يد رسول الله من ذرية إبراهيم وعلى ملته : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) ( النحل /123 ) ، فيكملها ويفصل الهداية الإلهية وحقائق الإيمان بأدلتها ويقدمها للإنسانية : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( المائدة /3 ) .

الاصطفاء : ـ

فلا نعجب بعد هذا كله أن يختار الله إبراهيم إماما للناس : ( وإذا ابتلي إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما …. ) ( البقرة /124 ـ 131 ) ويدل سياق الآية على أن الله أمره ببناء البيت ، فرفع قواعده وهو يدعو لنفسه وولده من بعده : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( 127 ) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ءايتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم 'انك أنت العزيز الحكيم )
( البقرة /127 ـ 129 ) .

ثم أمر الله إبراهيم أن ينادي للحج : ( وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ( 27 ) ليشهدوا منفع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات … ) ( الحج /27 ـ 28 ) . وصار البيت منذ ذلك العهد البعيد ولايزال ( مثابة للناس وأمنا) ومكانا طاهراً ( للطائفين والقائمين والركع السجود (26 ) ( البقرة /25 ) وفى البيت وفيما حوله يلتقي المؤمنون بالله الواحد الحق من كل بقاع الأرض فى أكبر تجمع بشري تتحد فيه العقول والقلوب بقول : " لبيك اللهم لبيك " وهذه هي الإجابة لله تعالى بالطاعة والدعاء .

هذه وغيرها وقائع فى حياة إبراهيم ، وهو الذى جاء ربه ( بقلب سليم ) الصافات /84 ) ، أي بقلب بريء من الشرك مملوء بالثقة بالله والتوجه إليه وحده فى كل الظروف والأحوال .

والقرآن يذكر أن إبراهيم كانت له " صحف " ويذكر بعض ما اشتملت عليه من آيات " جامعة لأمر الديانة وخلاصة الكتب المنزلة " بيضاوي فى تفسير سورة الأعلي / 14 ـ 19 ، النجم ، /38 ـ 42 ) ، والقرآن يصف إبراهيم أنه كان " أمة " ( النحل /120 ) ، يعني أنه كانه " أمة " لكماله واستجماعه فضائل لاتكاد توجد إلا متفرقة فى اشخاص كثيرين ... وهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين .

وعندما كان اليهود والنصارى يدعون أن الهداية لاتكون إلا عندهم أجاب القرآن بقوله : ( قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " ، ( البقرة /135 ) ، أي أن الله " اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله " ثم إن القرآن يعظم ملة إبراهيم إلي حد قوله ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين ) ( البقرة / 130 ) ، وفى مقابل معارضة اليهود والنصارى للرسول عليه الصلاة والسلام يأمره الله أن يقول : ( قل إنني هدني ربي إلي صراط مستقيم ديناَ قيما ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) ( الأنعام /161 ) .

وإذا كان أهل الكتاب جميعا اليوم يعظمون إبراهيم وجاء الإسلام مصدقا لملة إبراهيم ولرسالة موسى وعيسى عليهما السلام فإن المنطق يقتضي منهم أن يقبلوا ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام كما أشرنا من قبل لتفسير الرازي لآية سورة النساء 125 .

ولكن الذى حدث فى تاريخ الدين المنزل أن كثيرا من الأمم كذبوا الرسل الذين أرسلوا إليه ، ويظهر أن دعوتهم كانت دعوة إجمالية للإيمان بالله من غير تفصيل للأدلة ، وربما كان ذلك لقلة المران على التفكير النظري المستند إلي تأمل نظام هذا الكون ، فأعرضوا عن دعوة الرسل ( وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ) ، أي ليقبضوا عليه ويتمكنوا من إصابته بما يريدون من أذي أو قتل ( وجادلوا بالبطل ليدحضوا به الحق ) ( غافر /5 ) ، فأهلكهم الله بذنوبهم ، وقد قدمنا شرح ذلك فى كلامنا عن السنه الإلهية فى تغيير الدول والقضاء على الحضارات المنحرفة عن سنة الله.

لكن من المآسي فى تاريخ الأديان المنزلة الثلاثة الأخيرة أن السابق منها يتنكر للاحق ، رغم أنه اللاحق يصدق ما جاء قبله ، وهنا يبقي للمتخصصين فى تاريخ الدين ، وللإنسان المفكر الذى ينشد الحق واليقين فى أمور الدين والإيمان أن يدرس فى عدل وإنصاف و يقارن ويحكم بالحق ويختار ما يهديه إليه عقله .

أما القرآن فإننا نجد فى آياته أن الناس كانوا ( أمة واحدة ) ، وربما كان ذلك لأنهم كانوا موحدين منذ عهد آدم وموحدين على الفطرة ثم اختلفوا
، وهذا طبيعي بسبب العوامل الكثيرة التي تؤدي إلي الاختلاف فى الآراء ، مثل اتباع الهوى أو الاستبداد بالرأي أو تضليل الشيطان ، والله تعالى أرسل الرسل مبشرين ، ومنذرين ، وأنزل معهم ( الكتاب بالحق )، أي التعليم الإلهي الصحيح ، فاختلفت كل أمة فيما جاءها ، كما اختلف أهل الأديان المنزلة أيضا، وكان من ذلك الاختلاف فى وجهات النظر ، لكن كان منه ما وقع " بغيا " من بعضهم على بعض ، والبغي هنا بمعني تجاوز الحق إلي الباطل أو إرادة بعضهم مالا يحق لهم ، مثل أن يحملوا غيرهم على دينهم أو علي مذهبهم ورأيهم ، كما حدث بينهم فىالمذاهب فى داخل الدين الواحد أوبين الأديان المختلفة فيما بينها ، وهذا ما دفع فى تاريخ كل دين وفى تاريخ العلاقة بين الأديان
( البقرة /213 ، 253 ، آل عمران /105 ، يونس /19 ، 93 ، الجاثية /17 ، النحل /63 ـ 64 ) ، ولكن هذه إرادة الله فهو قد أرسل لهم الرسل وبين لهم الحق ولكنهم لأسباب كثيرة اختلفوا أو جحدوا ، فأمهملم وسيحاسبهم ، كل منهم بما صنع ويفصل بينهم فيما اختلفوا فيه : ( إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ( 17 ) ( الحج /17 ) .

أما القرآن فإنه قد بين الحق للناس وأوجب عليهم أن يستعملوا عقولهم وأن يتثبتوا قبل أن يتبعوا الآراء : ( ولاتقف ماليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) (الإسراء /36 )، وهو لما كان آخر الكتب المنزله فإنه ذكر أنواع الاختلافات فىالأديان وبين الأديان .أما الحكمة من نزوله فهي فى قوله تعالى ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدي ورحمة لقوم يؤمنون ) ( النحل / 63 ـ 64 ) .

وبعد هذا كله تبقي الحقيقة الإيمانية الكبري ، وهي جوهر ملة إبراهيم : الإيمان بالله وحده والإسلام له وحده وكذلك تبقي الحقيقة الإنسانية الكبري ، وهي أن البشر جميعاً أسرة واحدة ، وإذا كانت إرادة الله تعالى : ( قد أذن بأن يختلفوا مهما كانت أسباب الاختلاف فإنه يجب أن يشعروا بما بينهم من أخوة إنسانية، وبما يجب عليهم على هذا الأساس من العدل والإحسان والمحبة أما المعيار للتفاضل فيما بينهم فهو ما جاء به القرآن ( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"
(13) ( الحجرات/13 ) .

عيسي رسول الله وكلمته ألقاها إلي مريم : ـ

تتفق الأديان المنزلة الثلاثة بوجه عام فى الإيمان بالإله الواحد الحق ( خالق السماوات والأرض) ، ( خالق كل شيء ) ، لكن الخلاف الأكبر بينهم كان هو حول سيدنا عيسى عليه السلام وميلاده الخارق للعادة بلا أب بالمعنى الدنيوي وكذلك حول والدته السيدة مريم ."

فاليهود أنكروا رسالته وقالوا عن والدته ما قالوا من بهتان " ( النساء /156 )، وعلماء النصارى فى أثناء تفسيرهم للظاهرة الخارقة فصلوا العقيدة المسيحية بعد أبحاث ومجادلات طويلة وعقد مجالس لتقرير أصول العقيدة، ونحن لا ندخل فى ذلك وإنما نريد أن نبين ما في القرآن حول المسيح عليه السلام وجوهر رسالته وقداسة والدته .على أننا لانجد فى التوراة ولا فى العهد القديم كله شيئا يذكر عن السيدة مريم ، مع أنها من واقع التاريخ والحياة الدينية عند اليهود .

ومن جهة أخري فإن الأناجيل لم تفصل كيفية تلك الظاهرة الكبيرة لكن فيها ( ل : 1 /26 ـ 35 ، 2 /21 ) أن جبريل ، وهو روح القدس ، أعلن لها أنها الأم العتيدة للمسيح المنتظر ابن الله، وأنها المباركة من النساء والمنعم عليها بنعمة عظمى وأنها مثل أعلى للنساء والأمهات قاطبه . ( ل : 1 /28 ، 2 / 27 و 33 و41 و48 ، 3/23 نقلا عن قاموس الكتاب المقدس إشراف الدكتور بطرس عبد الملك ) .

أما عن المسيح عليه السلام فإننا نجد فى العهد القديم نبوءات كثيرة وذكر تحققت فى العهد الجديد ( القاموس السابق ص 861 وما بعدها ) .

وكلام القرآن عن سيدنا عيسى وأمه موجود فى أكثر من سورة ، بإيجاز أحيانا وبتفصيل أحيانا أخري وبحسب طريقة القرآن فى التعليم المتدرج فى ذكر أخبار الرسل والأنبياء . ومن ذلك كثير عن كيفية حمله ،وميلاده ورسالته إلي بني إسرائيل " مؤيدا بروح القدس " وعن عقيدته التى دعاهم إليها و( البينات ) أي الخوارق التى جاء بها إليهم ( آل عمران /48 ـ 51 المائدة / 110 ـ 112 ) ، وفى القرآن إشارة إلي روح التقوي والرحمة والرأفة التى جعلها الله فى قلوب الصادقين من المؤمنين به إلي جانب رهبانية ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ( الحديد /27 ) ، وكذلك فى القرآن إشارة إلي أن أقرب الناس مودة للمسلمين هم النصارى ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لايستكبرون ( 82 ) ( المائدة /82 ) .

والناظر فى آيات القرآن فى أمر المسيح عليه السلام ووالدته وميلاده يجد أمورا كثيرة ، منها
ما يتعلق بحكمة الله وقدرته فى أن يفعل ما يشاء ، ومنها ما يتعلق بالعقائد والآراء والوقائع عند النصارى ، ونحن لانريد التركيز على الفوارق الاعتقادية بين المسلمين والنصارى ، لأننا نريد أن نعرض ما فى القرآن بحسب الآيات وما يمكن أن نفهمه منها .

وأول ما نحب الإشارة إليه هو أن الله تعالى جعل من سيدنا عيسى وأمه ( آية للعالمين ) ( الأنبياء /91 ، المؤمنون /50) ، وهي آية متنوعة المظاهر : ميلاده من عذراء طاهرة " لم يمسسها بشر " وكلامه لها فى ساعة ولادته ليهديء من روعها، ثم كلامه بعد ذلك وهو فى المهد ليبرئها من الاتهام لها ، هذا إلي جانب المعجزات التى وقعت على يديه وهو يبلغ رسالته لبني إسرائيل كما تقدم القول وهنا بالنسبة للأمر الخارق ، لايصح أن نفسره بأي نظريات أو آراء فلسفية أو أنواع من التخيل إلا بحسب ما يبينه الله الذي قضى الأمر كله .

ولاشك أن ميلاد إنسان من عذراء بإرادة الخالق المبدع على النحو الذى تتسع له قدرته المطلقة ليس بالأمر المستغرب إلا بالنسبة لما ألفناه فى دنيانا هذه .

أما الحقيقية فإن ذلك الميلاد إنما جاء إكمالا للوجوه الممكنة للخلق الإبداعي على مستوي الإنسان ، وهذا يتضح لنا إذا نحن تفطنا إلي أن الله خلق آدام على نحو فريد فلا أب ولا أم ، ثم إنه تعالى خلق زوجه منه بلا أم ونحن لانعرف من ذلك إلا المعى الظاهر للألفاظ من قوله تعالى مثلا : ( هو الله الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها )( الأعراف / 189 ) ، والزوج هو النظير المكمل لتلك النفس فى الوجود ،وفى النوع وفى الوظيفة فبقي من الأمور الممكنة أن يخلق الله مولودا من أم عذراء على الوجه الذى أراده سبحانه وبينه القرآن .
والقصه بأقسامها موجودة فى أكثر من موضع من القرآن وبأسلوب جميل وفى جملة آيات متكاملة كأنها وحدة تشرح الظاهرة : نجد البداية فى أمر السيدة مريم ونجد فى الآيات نفسها دعوة سيدنا عيسي وذلك فى سورة ( آل عمران /33 ـ 62 ) ، وهم الذين اصطفاهم الله بعد آل إبراهيم : تنذر امراة عمران ما في بطنها ليكون مخصصا لعبادة الله لايشتغل بغيرها ، فتولد أنثي ، ويتقبلها الله ( بقبول حسن ) ، ويكفلها زكريا عليه السلام ، فيدخلها فى محراب المعبد ، ثم صار يتردد عليها ، فكان ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، قال : يا مريم أنى لك هذا ، قالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) وفى أثناء خلوة السيدة للعبادة كانت الملائكة تترد عليها وتكلمها فتقول لها مثلا : ( يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) ، وتدعوها أيضا إلي مواصلة القنوت والسجود والركوع مع الراكعين لله .

وبعد هذا الإعداد للسيدة تقول لها الملائكة ( يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين )، وتذكر لها الملائكة من معجزاته أنه يتكلم وهو فى المهد وأن الله يعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وسيبعثه رسولا إلى بني إسرائيل مؤيدا بالمعجزات فنتسائل : ( رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47 ) .

وهكذا بعد أن صفت الروح الطاهرة فوق ما فيها من صفاء ، بالإضافة إلى جملة الخوارق التي جربتها بنفسها تهيأت السيدة العذراء واستعدت نفسياً لما اقتضته إرادة الله وحكمته وهذا ما نجد تفصيله فى سورة مريم ( 16 ـ 37 ) ،تعتزل السيدة أهلها وتحتجب عنهم ، ولاشك أن هذا بإلهام من الله فيأتي إليها جبريل ويتمثل لها ( بشرا سويا ) أي جميل التكوين ، حتي تراه ويتهيأ الظرف للحمل وبحسب القوانين الطبيعية البشرية ( بيضاوي مثلا ) ولايكون حملها مشككا لها فى الأمر كله فتخاف وتخاطبه ( إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ) فيهدي ،من روعها ،ويقول لها ( إنما أنا رسول ربك لأهب لك علما زكياً ) وهذا مصداق ما كانت قد سمعته من قبل من الملائكة الذين كانت تتحدث إليهم وبشروها به وبما سيكون من شأنه فى الدين والدنيا ، فتتساءل : كيف يكون ذلك ولم يمسسها بشر ؟ فيجيب أن هذا هو أمر الله وقضاؤه وأن الله سيجعل ولدها " آية للناس " ، ورحمة منه تعالى لهم والقرآن يشرح كيفية ذلك ولايتركه لأي تفسير آخر فيقول إنه كان نفخه خارقة للعادة بواسطة جبريل ( الأنبياء /91 التحريم /12 ) ، وكانت تلك النفخة بحسب تفسير أهل العلم بحقائق الدين ، فى درع السيدة العذراء أي فى فتحة ما من ثوبها، ومن الواضح يحسب السنة العامة للطبيعة التي خلقها الله وعلى المستوي الإنساني من أول الأمر إلي آخره أن ذلك النفخ كان نفخ الروح وما يقوم مقام الحمل العادي ، لكي يظهر الأمر على مستوى قريب من الواقع الذى يمكن أن يتصوره العقل بحسب الشواهد السابقة ، ولا يتصوره أو يفسره بحسب الخيال الشخصي أو ما خطر لبعض الفلاسفة السابقين من اليونان والرومان . ( الفلسفة الرواقية مثلا ) .

على أننا نجد النظير لهذا النفخ الخارق للعادة فيما ذكره القرآن من أن جبريل نفخ فى ذلك الطين الذي خلقه الله نفخه صار منها الإنسان الذى هو نحن مثلا ( الحجر /29 ) ، بل إن نظير ذلك من وجه ما موجود من معجزات سيدنا عيسي نفسه لأنه كان بحسب القرآن " يخلق أي يصنع ويشكل من الطين تمثالا كهيئة الطير " فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله " وهذا كأنه الشاهد على ما كان لعيسي عليه السلام من روحانية ترجع إلي طبيعته الخاصة التى تظهر آثارها بإذن الله ، هذا إلي جانب الخوارق الأخري التى يؤكد القرآن أنها دائما " بإذن الله .

أما كيفية ولادة سيدنا عيسي فإنه بعد أن تم الحمل على هذا الوجه غير العادي تلاحقت الأحداث بسرعة وهذا يؤخذ من طريقة التعبير القرآني تنأي السيدة بنفسها بعيدا عن الناس وتلجئها ساعة الميلاد إلي ( جذع نخله ) ( فى ربوه ذات قرار ومعين ) ( المؤمنون /5 ) وهنا فى تلك اللحظة الحاسمة تتذكر السيدة الطاهرة رأي المجتمع وأقوال الناس ، وهي على كل حال بشر ، فتتمني أن تكون قد ماتت قبل وصارت نسيا منسيا وهنا تحدث الخوارق الجديدة .

فتسمع نداء ( من تحتها ) وهو كلام الوليد الذى وعدتها به الملائكة من قبل فيقول لها ألا تحزن وأن تنظر لتجد تحتها جدول ماء، وأن تهز جذع النخلة ليسقط منها الرطب الجني ، فتأكل وتشرب ولاتخاف فإذا رأت أحد من البشر فلا تحدثهم ، ثم تحمل السيدة وليدها وتأتي إلي قومها فتسمع الاتهام فتشير إلي الوليد ليرد عليهم فلايصدقون ذلك فينطق الوليد ( أني عبد الله ءاتني الكتب وجعلني نبياً وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بولدتي ولم يجعلني جبارا شقيا .... ) .

ويختم القرآن قصة مولد سيدنا عيسي بقوله : ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون ما كان أن يتخذ من ولد سبحنه ـ إذا قضي أمرا فإنما يقول له كن فيكون وأن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) ولنلاحظ أن الآيات تشير من جهة إلي الخلاف بين اليهود والنصارى حول كيفية حملة وولادته عليه السلام ، وإلي الخلاف بين النصارى أنفسهم فى تفسير الظاهرة الخارقة .

أما دعوته عليه السلام فقد اشتمل عليها خطابه لليهود وهو قوله : ( يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار)(المائدة /72 ، آل عمران /49 ـ 51 ، مريم/36 ،سورة الصف /6).

وفى القرآن الكريم أن عيسى عليه السلام خاطب اليهود وقال لهم : " قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه ، فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربي وربكم فاعبدوه ، هذا صراط مستقيم ) ( الزخرف / 63 ـ 64 ـ 64 ) ، لكن بني إسرائيل تنكر لدعوته ، فأراد أن يعرف من آمن بها ومن سيقف إلي جانبة والقرآن يبين لنا ذلك بقوله : ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلي الله قال الحواريون نحن أنصار الله ء امنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) ( آل عمران /52 ) المقصود أنهم مسلمون لله تعالى .

والقرآن فى كلامه عن السيدة مريم ينفي عنها ما اتهمها به اليهود ( النساء 156 ) ، كما أن آيات القرآن صريحة فى أن سيدنا عيسي ( رسول الله ) جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة ، وصريحة فى نفي كل ما يقال عن ألوهيته أو بنوته لله ( المائدة /72 ـ 73 ، مريم / 35 ) بل أن فى القرآن أن المسيح عليه السلام سينفي أمام الله ما قيل عن ألوهيته هو وأمه ، وذلك بقوله ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) (المائدة /117 ـ 118 ) .

أما ما جرى على لسان سيدنا عيسى من عبارات فيها لفظ الأبوة وعبارت تشعر بالوحدة بينه وبين الأب ، فقد فسرها علماء الإسلام بأنها خصوصية أذن الله بها إليه ، وهي تشير إلي الوحدة فى اتباع إرادة الله والامتثال لأمره .

وإلي جانب المعجزات التى جاء بها عيسى إلي بني إسرائيل وأشار إليها القرآن : من نفخة فى تمثال يصنعه لطائر وينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، وغير ذلك ، ( آل عمران /49 ) ، يذكر القرآن أن الحواريين طلبوا منه أن ينزل الله لهم مائدة من السماء ليأكلوا منها ، ويتأكدوا أنه صادق فى رسالته ، وأنه عليه السلام سأل ربه ذلك فأجابه ، ( المائدة /111 ـ 115 ) . ويمكن السؤال عن العلاقة بين هذه المائدة التى أنزلها الله من السماء وأكل منها المؤمنون بسيدنا عيسي وبين ما عند المسيحيين من مسألة " العشاء الرباني " وفى القرآن أن اليهود لم يستطيعوا أن يمسوا المسيح عليه السلام بسوء وأن الله رفعه إليه، والآية القرآنية تذكر ذلك وتشير إلي الشكوك حول هذه المسألة بين اتباع سيدنا عيسي أنفسهم ، والقرآن بعد أن يبريء السيدة مما اتهمها به اليهود ومن ادعائهم أنهم قتلوا سيدنا عيسي يقول: ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وأن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ( 157 ) بل رفعه الله إليه ،وكان الله عزيزا حكيما ( 158 ) ( النساء /156 ـ 158 ) ، والآية القرآنية تحتاج إلي تفسير بحسب جميع الظروف التى أحاطت بدعوة سيدنا عيسي والآراء بين الفرق المسيحية الأولى فى حقيقة الصلب ، ومن وما كان هو المصلوب .

ومهما كان من خلاف بين المسيحيين فيما بينهم ، وبينهم وبين المسلمين ، فإن الجميع ، رغم ظواهر الخلاف فى التصورات أو الآراء أو العبارات ، مجمعون على وحدانية الله خالق السماوات والأرضي حتى الذين يقولون بالتثليث .

وفى القرآن أن ظهور المسيح عليه السلام وكذلك نزولة المنتظر سيكون من علامات قيام الساعة ، والقرآن يؤكد أنه سيجعل الذين اتنعوه فوق الذين كفروا إلي يوم القيامه ( آل عمران / 55 ) ، وأنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن به قبل أن يموت ( النساء / 159 ) .

وقد حفلت كتب علماء الإسلام بأخبار سيدنا عيسي عليه السلام وبما صدر عنه من أقوال ، وقد عني بعض علماء النصاري بجمعها من كتب المسلمين ، كما فعل الراهب بلاثيوس Asin palacios .

ونحب أن نلاحظ فى نهاية هذا الكلام الموجز عن سيدنا عيسي وأمه عليهما السلام ، أن الأمر كله محوط بالخوارق ، وأن " الروح القدس " له دور فى أشياء كثيرة وفى هذا كله آيه كبرى متشعبة . وإذا كان ما قيل حول ذلك كله محوطا بآراء قد لايكون لها سند كاف من نصوص الإنجيل ، وهي لا تفصل كل ما كان حول المسيح ، فإن القرآن ألقى الأضواء على كل شيء،وأشار إلي ما كان هناك من اختلافات فى تفسير تلك الأمور الخارقة ، ووجه التفكير إلي استبعاد التصورات المتناقضة ، وأشار خصوصا إلي ما خص الله به السيد المسيح من مزايا وفضائل، ( آل عمران /45 ـ 46 ) وفى القرآن الشهادة الإلهية الدائمة لرسالته ، ولقداسة أمه والحمل الطاهر ، وذلك قبل أن تقرره وتعتمده الكنيسة المسيحية فى القرن الماضي .

وقد اشتمل القرآن إلي جانب أخبار الرسل والأنبياء على أخبار بعض حكماء المؤمنين ( لقمان ) ، وأخبار بعض الشخصيات التاريخية الغامضة ( قصة ذي القرنين ) ، أو المؤمنين الذين نجوا بدينهم من الاضطهاد (أهل الكهف ) وغير ذلك من أخبار لأمم يبقي البحث عن آثارهم مثل " أصحاب الأيكة وقوم تبع " .

لقد اجتهدنا فى ذكر بعض أخبار الرسل والأنبياء فى كلامنا عن سيدنا إبراهيم وسيدنا عيسي عليهما السلام ، ولمن شاء أن يقارن ما في القرآن وبين ما في التوراة والأناجيل ، فإننا قد فتحنا له الطريق وفيما ذكرنا عن سيدنا إبراهيم وسيدنا عيسي نوع من الدراسة لأخبارهما فى القرآن ، ونجد مثل ذلك فى سير الرسل الآخرين ، وحسبنا أننا قدمنا بعض ما جاء فى القرآن وتميز به فيما ذكره من أنباء الرسل ، ونحن نتمني أن يواصل غيرنا هذا العمل ، والله الموفق .

انتهى

.
.

المحتويات للبحث
للأستاذ الدكتور على الشملان .
المدير العام لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي
موضوعات البحث
تمهيد : القرآن روح من أمر الله
بين يدي القرآن : مقدمات لابد منها [ 19 ـ 64 ]
* الدين : الإسلام
الإسلام ، الإخلاص
الإسلام ، الإيمان ، الإحسان
* مكان القرآن بين الكتب المنزلة
ـ القرآن مرحلة جديدة ومنهج جديد
فى الإيمان والوصول إليه
ـ القرآن بديل للمعجزة
ـ رسول امي ، علمه الله ليعلم الأمين
ـ بعض مميزات القرآن الكريم
1 ـ القرآن خطاب إلهي عام
2 ـ القرآن تعليم متدرج ومستمر
3 ـ تحول طريقة التفكير واتجاه المعرفة
4 ـ القرآن كتاب شامل
* طريقة القرآن فى التعريف ببعض المسائل
ـ القدرة الإلهية وأفعال المخلوقات
ـ الأمر الإلهي ـ الإذن الإلهي
* العلم والمعرفة
ـ مواقف القبول ، الشك لاجل اليقين
ـ مصادر المعرفة
ـ المنهج العام لتحصيل المعرفة
الموضوعات الكبري فى القرآن الكريم [ 65 ـ 177 ]
* العقائد
ـ اصول العقيدة
ـ الله تعالي
ـ أدلة القرآن على وجود الله

ـ الحقيقة الالهية وتعإليه
فوق إدراك المخلوقات
ـ إيمان الفطرة
ـ صفات الله
ـ المخلوقات كلها تعبد الله
ـ الإيمان بالغيب
ـ عالم الجن
ـ عالم الملائكة
ـ اليوم الآخر
ـ البعث للحساب والجزاء
الإيمان بالقضاء والقدر
* السموات والارض وما بينهما
ـ جوأنب كلية لهذا الكون فى القرآن
ـ الارض
ـ رسالة الإنسان ومعني حياته فى الاض
* السنه الالهية فى تغير الدول والحضارات
* الحق والخير والجمال فى القرآن الكريم
ـ تمهيد
* الحق
ـ الحق النظري
ـ الحق العملي
ـ حقوق متبادلة
ـ الحق قوة غالية
* الخير
ـ معرفة الخير والشر
* الجمال
* أخبار الرسل والأنبياء
ـ تمهيد
ـ طريقة القرآن فى القصص
* سيدنا إبراهيم عليه السلام
ـ إبراهيم المفكر الموحد
ـ إبراهيم الموحد الثائر
ـ التحدي للملك المغرور
ـ طموح إلي معرفة أعلي
ـ الاختبار والابتلاء
ـ الاصطفاء
· سيدنا عيسي عليه السلام
رسول الله وكلمته ألقاها إلي مريم ، وروح منه
.
.

نــوف غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2005, 05:33 AM   #7
السهل الممتنع
كاتب
 
الصورة الرمزية السهل الممتنع
 
تاريخ التسجيل: Jul 2003
الدولة: السعودية .
المشاركات: 387
افتراضي


بارك الله الجهود
بحث رائع .. وجهد تشكر عليه الأخت نوف
نفع الله بما جاء فيه ... ولا حرم نوف الأجر والمثوبة ..
السهل الممتنع غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-02-2005, 04:37 PM   #8
نــوف
رائحــة الـورد
 
الصورة الرمزية نــوف
 
تاريخ التسجيل: Mar 2004
المشاركات: 2,902
افتراضي




.
.

بوركت يا استاذى السهل الممتنع
ورفع الله قدرك .. وبارك فيك
على هذه الكلمات العذبة الصادقة
لا حرمنى الله من وجودك ومرورك وتعطيرك الكريم
كل الاحترام
وياهلا وغلا
نوف

.
.

نــوف غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع